عرض مشاركة واحدة
قديم 09-06-2011, 01:48 AM   رقم المشاركة : [1]
محب السلف
:: تكنو مشارك ::
 




 

مركز رفع الصور والملفات

2 الجفري ياخاين لله ورسوله والمسلمين ارجع الى الحق قبل يوم الحق


بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة الجفري وطريقته الصوفية
الحمد لله الحكم العدل الذي أمر أولى العلم بالبيان ونهاهم عن الكتمان ، ومدح الأنبياء ومن سار على منهجهم فقال: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) ( [1] ).
وذم مخالفيهم في ذلك المنهج فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ...) ( [2] ).
والصلاة والسلام على من قرأ هذه الآية فقال: (فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ ) ( [3] ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد اطلعت على موضوع كتبه الدكتور / يوسف حسن الشراح الغرض منه الدفاع عمن أسماه ****** الجفري، ابتدأ ذلك الموضوع بالإنكار على من ذم الصوفية، وطعن فيهم بإطلاق. ثم ذكر معرفته بالجفري وبراءته مما اتهم به، وأن ذلك الاتهام إنما سببه الحقد المبني على الحسد لما وصل إليه الجفري من مكانة مرموقة عند الجمهور، ثم تعرض ل*** الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وأتباعه بما يوحي بعدم الرضا بل بالنقد والازدراء، وقد نسب إلى *** الإسلام - رحمه الله - أشياء حرفها عن مواضعها، أو بترها عن مجموع منهج الإمام، يريد بذلك أن يوحي للقارئ بأن ابن تيمية راض عن الصوفية وبدعهم وأن أتباعه لم يقفوا حيث وقف، ولم يعاملوا الصوفية بالعدل الذي عاملهم به، بل إنه ليوجب على هؤلاء الأتباع محاكمة *** الإسلام بما نسبه إليه مثل محاكمة أولئك الصوفية، هذا خلاصة ما فهمته من الموضوع.
وأقول إنني هنا لا أتصدى للدفاع عن ابن تيمية نفسه أو منهجه، فإنه أشهر وأظهر من أن ينال منه ذلك الكاتب، وإن احتاج الأمر إلى رد فهناك من هو أجدر به مني، ولكنني أريد أن أركز هنا على مسألتين:
إحداهما: حقيقة الصوفية التي دافع عنها الدكتور بالباطل.
الثانية: بيان حقيقة الجفري وطريقته الصوفية المعروفة بالطريقة العلوية.
وقبل الدخول في هاتين النقطتين أحب التأكيد على أمر أشار إليه الدكتور مجرد إشارة، وهو التعميم في الجرح أو المدح. ذلك التعميم في الجرح قد يصيب أقواماً بجهالة فيصبح الجارح على ما فعل من النادمين حينما تتكشف الحقائق، ويرى أنه أدخل في عموم جرحه من هو برئ، وهذا أمر كثيراً ما يصدر من بعض المتحمسين، ولا يُوافَقون عليه، بل يجب الإنكار عليهم فيه.
وبالعكس فإن التعميم في المدح قد يُلبِّس على الناس، ويظهر أقواماً غير مشمولين بتلك الصفات ضمن أهلها، فيأخذهم الجاهل وشبهه مأخذ الممدوحين ويثق فيهم، وربما التبس عليه ما لديهم من باطل وضلال بسبب ذلك التعميم، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
Œالنقطة الأولى من الرد: حقيقة الصوفية:
قال الدكتور ( والذي نعرفه جميعاً من الواقع عبر التاريخ أن الصوفية ما هي إلا طائفة إسلامية مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين ، فيهم الصالح والطالح ، والصحيح والفاسد، والمصيب والمخطئ ، ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط ، فعندما يقال : الصوفية فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وعبد القادر الجيلاني، والجنيد وغيرهم كثير ممن سطرهم على سبيل المثال يراع الإمامأبي نعيم في كتابه " حلية الأولياء " ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المنحرفون المخالفون للكتاب والسنة الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه من أمثال الحلاج وموافقيه في المعتقد. لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها مع بعض، فالعدل مطلوب مع الموافق والمخالف ). اهـ
أقول: إن الدكتور قد وقع من أول وهلة فيما حذر منه، بل بنى مقاله عليه حيث عمم مفهومه عن الصوفية على الجميع بقوله: ( والذي نعرفه جميعاً ) فكيف نسب فهمه إلى الجميع؟! ولو كان هذا فهم الجميع للصوفية فعلام يختلف الناس في شأنهم؟.
إن هذا الأسلوب هو من أساليب الخارجين عن مذهب الصواب في الاستدلال والجدل والغرض منه إرهاب الخصم، والتلبيس على العامة، بينما الواقع خلاف ذلك، فإن الناس منذ أن تميزت الصوفية عن غيرها من الطوائف الإسلامية، وهم مختلفون في شأنها، بل الأكثر من العلماء على نقدها والقدح فيما لديها من الانحراف في العقيدة فضلاً عن غيرها من الجوانب الأخرى، وحسبك أن الإمام أحمد هجر الحارث المحاسبي لِما ظهر في كتبه من الخواطر والأنفاس الصوفية، والحارث من ألطف القوم وأسلمهم من البدع والانحرافات.
ثم وقع الدكتور في الظلم الفادح لأنصح طوائف المسلمين المحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين حين قارنهم بالصوفية، ورفع أولئك الصوفية إلى درجات ما كانوا يحلمون بها، ولا ينعم لهم بها علماء السنة ولا كرامة، ثم أتم تلبيسه وأحكم تأسيسه حين مثل للصوفية بـ( الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وعبد القادر الجيلاني، والجنيد ) فإن هؤلاء وإن تجمل الصوفية بانتسابهم إليهم، واعتمادهم عليهم فإنما هو مجرد تجمل ربما هو أجنبي بعيد كل البعد عما عليه المتجمل، فالمتجمل بهم من الصوفية المعروفة إنما هو كلابس ثوبي زور، قال ابن الجوزي - رحمه الله -: (وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وسادات الصحابة رضي الله عنهم فذكر عنهم فيه العجب وذكر منهم شريحاً القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفاً الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره ) ( [4] ) .
فأبان ابن الجوزي - رحمه الله - بهذا أن أكثر هؤلاء الذين ذكرهم الدكتور ليسوا من الصوفية الذين عرفوا بالتصوف الاصطلاحي الفلسفي ، وإنما هم من الزهاد، بينما التصوف مذهب معروف يزيد على الزهد.
فليطمئن الدكتور إن كان خائفاً فقط من ظلم هؤلاء الأعلام، أن الناقدين للصوفية المحذرين منهم ما عنوا هؤلاء، ولا خطر ذمهم على بالهم، وإنما الناس حينما يتكلمون فإنما يحمل كلامهم على المعهود لديهم، والمعهود لدى الناس اليوم من الصوفية هم أولئك الصوفية المعاصرون أتباع الطرق الصوفية المعروفة كالقادرية،والشاذلية، والرفاعية، والنقشنبندية، وغيرهم من الفرق المنتشرة على الساحة، وهذه الفرق ليست على طريقة الفضيل، ولا معروف الكرخي، وإنما هي على طريقة الحلاج ،وابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، وشعيب أبي مدين، والسهروردي المقتول صاحب عقيدة الأشراف الفلسفية والغزالي وأمثالهم.
هذا التصوف الذي انحرف به المتأخرون عن طريق الزهاد والعُبَّاد الذين ذكرهم الدكتور إلى طريق غلاة الشيعة وباطنيتهم، كما يقرر ذلك العلامة ابن خلدون - رحمه الله - حيث قال: (ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس، توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملئوا الصحف منه، مثل الهروي، في كتاب المقامات له، وغيره. وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم. وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضاً بالحلول وإلهية الأئمة، مذهباً لم يعرف لأولهم، فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر. واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم. ) ( [5] ) .
وهذا الذي أجمله ابن خلدون فصله الباحثون بعده، ومنهم باحثون معاصرون مثل الدكتور كامل مصطفى الشيبي في كتابه: " الصلة بين التصوف والتشيع "، والدكتور علي سامي النشار في كتابه: " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " وقد لخص كثيراً من تلك العقائد التي أخذها الصوفية عن الباطنية الشيعية الدكتور علي الفاضل الفاعوري الذي قال في مقدمة كتابه: ( يسرني أن أقدم هذه الدراسة الوصفية التي أصور فيها فلسفة التصوف من القرن الأول، وحتى القرن الثالث عشر الهجري من حيث النشأة والتطور، لإبراز دور التصوف الفكري والعملي في خدمة الإسلام والمسلمين ...) ثم قال الدكتور الفاعوري تحت عنوان: { التشيع الغالي وأثره في الزهد والتصوف } : ( نشأ هذا التشيع على شكل حب غالى فيه أصحابه عندما كان بعض آل البيت يذبحون بسيوف بني أمية الواحد تلو الآخر، وكان البعض الآخر يعيش في جنبات المدينة بانكسار وقساوة عيش. فقام كثير من المسلمين وأظهروا لهم المودة، والتحسر على حالهم، وقام أعداء الإسلام من الفرس أو اليهود يعلنون حبهم لآل البيت، بل وإسرافهم حتى يتمكنوا من ضرب الإسلام، وبالفعل كان حبهم هذا مؤامرة على العقيدة سواء كانت سنية أو شيعية، وقد ظهر بعض هذا الغلو في الزهد والتصوف.
وأول ما بدأ التشيع الغالي عند امرأتين من نساء الكوفة هما: هند بنت المتكلفة الناعطية، وليلى بنت قمامة المزنية الناعطية، وكانت من النساء الكيسانيات. وقيل أن نظرية الزهد و البدا ظهرت في قبيلتهما.
كما ظهرت فكرة المهدي لدى الكيسانية من أتباع محمد بن الحنفية، وكان لهذه الفكرة تركيز لدى طوائف الصوفية بصور مختلفة، فهل كانت أساس فكرة الغوث أم هل أخذت فكرة المهدي من قصة الخضر القرآني، فيكون الصوفية قد اعتمدوا في فكرة الغوث على المصدرين القرآني والشيعي.
يرى الشيبي أن الفكرة ظهرت في الحلاج،أسبغت عليه المهدية، كما يرى أن الحلاج كان معاصراً لأحد وكلاء المهدي الشيعي، وأنه كان يدعى بابيته.
وظهر أثر فكرة الإمامة في التصوف الفلسفي منذ القرن الثالث الهجري، فقد نسبت الشيعة الإمامية للإمام عنصرين:
الأول: وجودي: وقد انتقل هذا إلى التصوف الفلسفي منذ القرن الثالث فنسب إلى شيوخ الصوفية وإلى ما أسموه بقطب الغوث.
الثاني: عنصر معرفي: أي كما وجد الكون للإمام وإليه تدبيره وتصريفه كذلك الأمر بالنسبة لل*** أو للقطب، ونشأت فكرة النور المحمدي حول الإمام جعفر الصادق ثم استخدمها الغلاة أشنع استخدام ثم انتقلت إلى التصوف.
وكما نسب للإمام المعرفة نسبت الصوفية لل*** المعرفة، إلا أن معرفة الإمام متوارثة، ومعرفة ال*** لدنية من الله إلقاءً، والإمام يصل إليها بالوصية، وال*** يصل إليها بالاجتهاد والعمل. وعلم التصوف سري لا يطلعه ال*** إلا لمريديه، وعلم الإمام خاص، وقال بعض الغلاة ممكن أن يطلع عليه الأتباع، وخرجوا إلى حد إعلان الفكرة الاسم الأعظم، وأن من عرف الاسم الأعظم أحيا وأمات، وكانت وسيلتهم إلى ذلك معرفة ال***، دخلت فكرة الاسم الأعظم لدى الصوفية، وما زالت حتى الآن وبدأت عند إبراهيم بن أدهم.
وعند الغلاة من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. وعند الصوفية نظرية ال*** والمريد وأنه من (لا) *** له لا دين له.
وأعلن الغلاة فكرة المعراج على يد أبي منصور العجلي، الذي أعلن أنه أعرج إلى السماء، وأن الله مسح عليه راشد وقال له بالسريانية: ( أي بُني أنزل فبلغ عني ) وقال الصوفية بفكرة معراج النفس، والمقصود به عند الصوفية المعتدلة التصفية النفسية الأخلاقية، وقصد به أهل الحلول والإتحاد نوعاً من المعراج يختلف أشد الاختلاف عن الصورة القرآنية للمعراج. أي ما يقارب مقصد الغلاة من الشيعة.
وأظهر الغلاة كما يقول المؤرخون - الزهد والتقشف - قال ابن الأثير: ( إنهم تعلموا الشعبذة والنيريجات والنجوم والكيمياء، فهم يحتالون على كل قوم بما ينفق عليهم، وعلى العامة بإظهار الزهد ( [6] ).
وذكر ابن حجر أن المغيرة ( المغيرة بن سعيد البجلي ) تعلم ال***، وكان ساحراً، وكان سبئياً وصاحب نيرنجات، بل إن عبد الله بن معاوية نفسه كان يظهر الزهد ويلبس الصوف ( [7] ) ومع هذا يكون أولياء الشيعة من أوائل من لبس الصوف وأظهر الزهد. وبذلك يبدو لنا واضحاً مقدار الصلة بين التشيع الغالي في الكوفة وبين التصوف، وسنلاحظ أن لهذا الاتصال وغيره من الاتصالات الأثر الكبير في بناية صرح التصوف الفلسفي ( [8] ).
بقي أن أؤكد بعد هذا العرض أن هذه العقائد والأصول جميعها موجودة لدى متصوفة اليوم، ولم تتبرأ منها طريقة من طرقهم القائمة، بل إن بعض تلك الطرق لديها من العقائد الشركية والمنحرفة زيادة على ما ذكر والله المستعان.
وللإطلاع على ما عند الغزالي من الانحراف في التصوف إقرأ آخر كتاب الإحياء ( 4 / 503 ) طبعة دار الحديث بمصر تحت عنوان ( بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم ) وكتاب " المضنون به على غير أهله " ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي طبع دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1419هـ - 1998م، والكتاب كله جدير بالإطلاع لمن يحب أن يعرف ما وصل التصوف الفلسفي بأهله، وهو يقع من ( ص 34 -358 ) من مجموعة الرسائل. وخذ مثالاً واحداً مما في هذا الكتاب، يقول عن زيارة قبور الصالحين والعلة فيها: ( أما التقرب لمشاهد الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام، فإن المقصود منه الزيارة والاستمداد من سؤال المغفرة وقضاء الحوائج من أرواح الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام، والعبارة عن هذا الإمداد الشفاعة، وهذا يحصل من جهتين: الاستمداد من هذا الجانب والإمداد من الجانب الآخر، ولزيارة المشاهد أثر عظيم في هذين الركنين. أما الاستمداد فهو بانصراف همة صاحب الحاجة باستيلاء ذكر الشفيع والمزور على الخاطر حتى تصير كلية همته مستغرقة في ذلك ويقبل بكليته على ذكره وخطوره بباله وهذه الحالة سبب منبه لروح ذلك الشفيع، أو المزور حتى تمده تلك الروح الطيبة بما يستمد منه ... ) ( [9] ).
إذاً فالطعن في التصوف، إنما هو طعن في تلك العقائد المنحرفة، وذلك السلوك الشائن، والبدع العلمية والعملية التي استقر عليها حال المتصوفة وطرقهم التي لا يعرف الناس التصوف إلا من خلالها.
وجميع هذه الطرق مبنية على التصوف الفلسفي وجميع من ذكرهم الدكتور ممن أسماهم الدجالين والمخرفين هم عند صوفية اليوم من كبار الأولياء، كالحلاج عندهم قطب من الأقطاب، وابن عربي هو ال*** الأكبر، وابن سبعين هو وابن الفارض سلطان العارفين، وأبو مدين القطب الغوث.
هذه هي منزلة هؤلاء عند المتصوفة المعاصرين، وأما مشايخ تلك الطرق إذا استثنينا ال*** عبد القادر الجيلاني الذي كُذب عليه ونُسب إليه زوراً ما لم ينسب إلى *** من الشيوخ - فإنهم لا يقلُّون ضلالاً عمن سـمّينا.
وكذلك تصوِّرهم كتب تراجمهم ومناقبهم التي ألّفها أتباعهم ومريدوهم هم ( الدجالون، المخرفون، المخالفون للكتاب والسنة ) واقرأ " الطبقات الكبرى " للشعراني و" جواهر المعاني "، " وبلوغ الأماني من فيض سيدي أبي العباس التيجاني " و" الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ " و" طبقات الخواص أهل الصدق والإخلاص" للزبيدي " والمشرع الروي من مناقب السادة الكرام آل باعلوي " لتعرف حقيقة هؤلاء الشيوخ بأقلام مريديهم، وأتباعهم وليس بأقلام أتباع ابن تيمية، ثم احكم أن تلك الشخصيات التي صورتها كتب القوم من أتباع الفضيل ورفاقه أم من أتباع ابن عربي، والحلاج ومن سار على طريقهم؟.
وإذا كان الكلام المكتوب لا يكفي فإن جولة على معاقل تلك الطرق، وزيارة لأشهر مقامات ومشاهد القوم سوف تبرهن على ما أقول أعظم مما روته الكتب.
فمن باب الزهد المزعوم دخلوا إلى أقصى درجات الترف، ومن باب التوكل الـمُدّعى وصلوا إلى حظيظ الشرك، ومن باب جهاد النفس وتصفيتها تفشت لديهم من المعاصي الأخلاقية ما لا يليق نشره، حتى ضج الكثير منهم مما جنى عليهم صحبة المردان والنسوان من الفساد العظيم، واقرأ ما كتبه عنهم الإمام ابن الجوزي - رحمه الله - في " تلبيس إبليس " والقصائد الرنانة التي نظمها الإمام ابن المقرئ الزبيدي - وهي في مجموعه- وكلا الرجلين لا علاقة لهما بابن تيمية ولا أتباعه.
النقطة الثانية : ( ****** علي الجفري ) كما يلقّبه الدكتور:
بداية لا أنكر أن علي زين العابدين بن عبد الرحمن الجفري قد أصبح من نجوم الفضائيات، وأصبح له جمهوره الكبير، وذلك راجع لأسلوبه المميز في الطرح، وأصبح يحبه ويعجب به الكثيرون من المثقفين وغير المثقفين، وهذه ميزة لا نحسده عليها، ولا نحقد عليه من أجلها، فإن لنا من العلماء - أهل السنة السائرين على منهج السلف الصالح - المئات ممن لهم الجماهير العريضة والقواعد المعجبة والمحبّة ولكننا نخاف على تلك الجماهير المعجبة بالجفري من السموم التي بدأ يبثها في عسل حديثه إن صح أن نسميه عسلاً، وذلك لمعرفتنا به وبمدرسته الصوفية التي ينتمي إليها وهي ( الطريقة العلوية ) المتفرعة عن ( الطريقة المدينية ) المنسوبة إلى صوفي المغرب المشبوه شعيب أبي مدين أحد شيوخ ابن عربي الحاتمي الزنديق.
وأبدأ بالأصل - الطريقة العلوية - ثم أعرج على الفرع - علي الجفري - فأقول:
الطريقة العلوية هي إحدى الطرق الصوفية المعاصرة، تشابهها وتشترك معها في معظم ملامحها العامة وأصولها، وتتبنى نفس عقائدها، وتشاطرها البدع العلمية والعملية والشطحات والدعاوى الزائفة.
وهي تنتمي إلى الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي المتوفي سنة ( 653 ) بتريم، وهو أخذ تصوفه عن الصوفي المغربي المشبوه شعيب أبي مدين، بواسطة ال*** عبد الرحمن المقعد الذي مات في الطريق فخلفه في حمل رسالة أبي مدين إلى حضرموت عبد الله الصالح المغربي، فلقي باعلوي بتريم وأدخله التصوف وألبسه لباسه ، وحكَّمه، ونسبه إلى ***ه أبي مدين، ومنذ ذلك الوقت انخلع عن لباس الفقهاء ومنهجهم، وأخذ لباس، ومنهج الصوفية، وظهرت آثار ذلك عليه سريعاً حتى أتى بما لم يستطعه الأوائل، وخصوصاً في الشطح والدعاوى الكبيرة التي ينـزِّل بها نفسه منازل الأقطاب المقربين كما هو معروف لديهم، ومن شطحاته الشهيرة ما رواه صاحب كتاب " الجوهر الشفاف " قال: ( روى المشايخ - رضي الله عنهم - أن *** شيوخنا ال*** الفقيه محمد بن علي رضي الله عنه خرج ذات يوم من الأيام إلى شارع من شوارع تريم، وكان ذلك الشارع مطروقاً فوقف ال*** فيه، فمر به بدوي معه جمل عليه سعف فساومه ال*** في السعف، فأبى البدوي أن يبيع السعف لل*** بالذي أراد، فقال الحاضرون بع السعف لل*** وألـحُّوا عليه، فأبى البدوي فأتى إليه الفقيه الأجَل الإمام الأكمل أحمد بن عبد الرحمن أبو علوي وقال له: بع ال*** بما أراد فإن ال*** كذا وكذا وذكر شيئاً من مناقب ال***، فقال له: البدوي هو ال*** محمد بن علي (الله) فلما سمع ال*** ذكر الله قال بأعلى صوته: نعم ( أنا الله ) وسقط مغشياً عليه، وكان الفقيه الكبير، الولي الشهير العارف بالله الخبير العالم الرباني محمد بن أبي بكر عباد رضي الله عنه إذا حدّث بهذه الحكاية وبلغ إلى قوله نعم ( أنا الله ) يأتي برفع صوته حسب ما يقدر عليه. وقال حاكياً عنه نعم أنا الله رضي الله عنهما ونفعنا بهما) ( [10] )..
وله شطحات أخرى اعتذروا عنه بأنه قالها في حال السكر مثل: ( مالي حاجة بمحمد ومحمداه ) ( [11] ). وما روى صاحب ذلك الكتاب أيضا قال: ( روى المشايخ رضي الله عنهم كيف اعترته غيبة آخر عمره، وما كان يحكي فيها من الأمور الغيبية التي وقعت كما قال إلى أن قال: ( وكان يقول له في تلك الغيبة الحقير أو غيره كل نفس ذائقة الموت فيقول ما لي نفس فيقول له كل شي هالك إلا وجهه فيقول أنا من نور وجهه ) ( [12] ) .
وهذه الشطحات يعدونها من أكمل مناقبه، وأعظم كراماته، ولا يكاد مترجم له، ومعدد لكراماته يتجاوزها بل يحكيها ضمن مناقبه وكراماته، وقد صوره مترجموه صورة خيالية أسطورية لا يكاد يبلغها بشر، فمن ذلك أنه يتصرف في الكون في حياته وبعد مماته، كما قال صاحب " شرح العينية ": ( وكان سيدنا الفقيه من الممكنين في التصريف بعد موتهم قال المشايخ العارفون ما صلينا على جنازة إلا والفقيه محمد بن علي بعد موته يصلي عليها معنا ) ( [13] ) زاد صاحب " الأنموذج اللطيف " بعد هذه الحكاية: ( فلا شك أنه ممن صلى على نفسه بنفسه ) ( [14] ) . والتصرف في الكون أمر معروف عند الصوفية، ولكنه في الحياة أما التصرف فيما بعد الممات فلا يقرون به إلا لأربعة من كبار أقطابهم وهم ( عبد القادر الجيلاني، ومعروف الكرخي، وعقيل المنبجي، وحيوة بن قيس ) ولكن أتباع محمد بن علي جعلوا ***هم أعظم من هؤلاء فقال قائلهم:
تصرف *** في الوجود معظم * على السادة الأشراف أهل المعارف
على السيد ال*** الفتى عبد قادر * ومعروف الكرخي منج لتالف
وقيــس عقيل المنبجي و***نا * لتصريفه لا يصرفون لا بصارف
وتصـريفهم في كل شي محقق * سوى في جمال الدين عين لواقف ( [15] )
ولما كان هذا ال*** عند ذريته وأتباعه بتلك المنزلة، فقد اقتدوا به في كل ما كان عليه، ومنه الشطح والدعاوى الكبيرة الخارجة عن حدود البشرية، ومن ذلك ما رووه عن ابنه علوي بن محمد فقال صاحب
المشرع في ترجمته: ( حكي أن ال*** : عبد الله باعباد سأل صاحب الترجمة عما ظهر له من المكاشفات بعد موت والده فقال: ظهر لي ثلاث أحيي وأميت بإذن الله، وأقول للشيء كن فيكون، وأعرف ما سيكون. فقال ال*** عبد الله نرجوا فيكم أكثر من هذا ) ( [16] ) . فليتصور القارئ الكريم ما هو أكثر من هذا؟
وتوالى القوم على هذه الدعاوى حتى قال أحد كبار أقطابهم الذي يلقبونه بفخر الوجود والمسمى ( أبو بكر بن سالم ):
صفت لي حميا خلي………وأسقيت من صافيها
وأقبل وثنا يملـي………على الذي يعليــها
ومن ذا شربها مثلي………أنا قبـل لا يصفيها
أنا قبل قبل القبــل………وبديت على هاليها
أنا أعطيت كل الفضل………تكـرم علي باريها
أنا المجتــبى بين أهلي………وشفعت في عاصيها
أنا شيــخ أهل الوصل………تكرم عليّ واليها
أنا أعزل أنا الّي ولّي………وأنا ***ها قاضيها
أنا حتف لأهل العذل………ونار الجحيم أطفيها
وسيـفي ودرعي مجلي………واعقب على تاليها
ومن كان ينكر فعلي………يجــرب وأنا حاميها
أنا بــازها والشهب………وأنا للمثاني أقريها
وعين الحقيقة عيني………وأشــرب من ساقيها
وفخر الوجود فخــري………أبي بكر لي يحميها
لقد طاب فيها أصلـي………أنا للفروع أغذيها
وراقــت حميا قربي………وإني لها ساقيـــها
وإذا أفلت شموس الكل………أنا شمسها ضـاحيها
أنا عرشـــها والكرسي………وأنا للسما بانيها
شف أهل الكسا بالفضل………وجبريـل لي راويها
فهذه رســالة تبني………بنــص القرآن أتليها
وأشكر لنعمــة ربي………ولكــن لا أحصيها
وأبديت فيـــها وهبي………على من تبعني فيها
واختم بخـــير الرسل………نبي الهدى هاديها(1)
هذا نموذج فقط من دعاوى القوم التي يدعونها لأنفسهم ، وأما عقائدهم وقواعدهم وأصولهم من التصوف فهي نفسها التي قدمنا نقلها عن الدكتور الفاعوري الذي قال: إنها انتقلت من غلاة الشيعة، إلى أهل التصوف، سوى مسألة الحلول والإتحاد فظاهر كلامهم عدم اعتقاده، وأما موقفهم من القائلين به فهو موقف الرضا التام، واعتقاد القطبية والولاية لهم، وأيضاً تصرفات بعضهم ودعاواهم قد يفهم منها اعتقاد ذلك البعض لشيء من ذلك، ولهم سوى ذلك اعتقادات في الأولياء وكراماتهم عجيبة، فمن اعتقاداتهم في الأولياء أنهم يتجزءون بحيث يظهر الولي في عدة أماكن دفعة واحدة في وقت واحد، وبنوا على هذا إعذار الولي الذي لا يصلي، قال علي الحبشي في " كنوز السعادة الأبدية ": ( ولما جاء ****** عبد الله بن عمر بن يحيى إلى قرسيّ وفيها ****** أحمد بن عبد الله بافقيه وأولاده *** ومحمد ، وكلهم رجال فحضرت صلاة فقدموا فيها ****** عبد الله بن عمر إماماً وكان ****** علوي بن هاشم جالساً في ناحية لم يصل معهم، فقال ****** محمد في نفسه: كيف هذه الولاية وفيها خرق للشريعة؟ وكيف تكون ولاية بلا صلاة، فكاشفه والده ****** أحمد وقال له يا محمد: فقال: مرحباً فقال له: ارفع رأسك فرفع رأسه فإذا تسع صور على صورة ****** علوي يصلين في الهواء، فقال له هل تضر صورة واحدة جالسة لا تصلي وتسع يصلين! ويذكر عنه أنه رؤي في نحو عشر بلدان، وفعل في كل بلد ضيافة في وقت واحد. ( [17] ) .
ومنها أيضاً الإصرار على اعتقاد الولاية التامة لمن ظاهر حاله الفسق بل الكفر. جاء في ترجمة ال*** عبد الرحمن بن عمر باهرمز قول المصنف وهو الشلي والمختصر لكتاب الشلي أحد المعاصرين ممن يشار إليهم عندهم بالبنان وهو السيد عمر بن علوي الكاف وفي تلك الترجمة قول المصنف: (ووردت عليه في آخر عمره أحوال غريبة حتى أنه إذا ورد عليه شيء منها يطلب النساء الحسان، من ذوات الجمال والأصوات الحسنة، فيغنين بين يديه ويرقصن لديه!! وكان الفقهاء تنكر عليه ذلك ومنهم الفقيه عمر بامخرمة، فإنه قصده لينكر عليه ، وسافر من بلاده بهذا القصد، فلما وصل أثناء الطريق رجع، ثم عزم على ذلك ثانياً فسافر إليه فلما دخل عليه .. كاشفه وقال : ياعمر .. إلى الآن لم يجئ وقتك ، فرجع إلى بلده ولم يحصل منه إنكار ثم سافر إليه ثالثاً، فلما وقع بصره عليه .. أمر بعض النساء الحسان أن تعتنقه فلما اعتنقته .. خر مغشياً ثم أفاق ، وطلب من ال*** أن يحكّمه ، فقال له : صل ركعتين إلى غير جهة القبلة، فامتثل، فلما أراد أن يحرم رأى الكعبة تلقاء وجهه، ثم حكّمه، وقال له: أنت الحاكم المحكم، فقال له: ألبسني خرقة التصوف فامتنع، وقال أنا خرقتك، وأنت نائب عني، فقال له الفقيه: لا تغفل عني، فقال : أنا معك صائب وغير صائب. ووقع لغير الفقيه عمر نحو ذلك . ) ( [18] ) فقضية غناء النساء الأجانب ورقصهن واعتبار ذلك من مقتضيات الولاية أقل ما يقال فيه أنه فسق، وأما طلبه من بامخرمة الصلاة إلى خلاف القبلة فهو كفر، ومع ذلك صدرت ترجمته بقول المصنف: ( ال*** الأكبر العارف بالله العالم السيف الصارم *** الوقت الذي يجلى به عن الزمان غياهب المقت ) ( [19] ) .
وهذا يعبر عن منهج القوم إذ تتابع عليه عدد منهم حسب ما بأيدينا فضلاً عن أنه يقرأ في حلقاتهم ويمر على شيوخهم ليل نهار دون إنكار عدى ما سطره عمر بن حامد الجيلاني في المقدمة قال: ( إن تلك الحكايات وما يماثلها من اختلاق جهلة العامة، واستكثر بها بعض من قل حظه من العلم ).. ( [20] ) .
أما علي الجفري فله رأي فيها سوف أذكره فيما يأتي.
وأما الانحراف في مفهوم الكرامة فمما يدل عليه:
1- خلطهم بين الكرامة وال*** :
حيث أن من ال*** المحرم كما نص عليه كثير من العلماء ( علم أسرار الحروف والأوفاق ) وهو ال*** الذي اشتهر به الساحر الشهير أحمد بن علي البوني وبنى عليه كتابه ( شمس المعارف الكبرى ) الذي يعد من أشهر مراجع ال***ة الذين أتوا بعده. حتى إن بعض صوفية حضرموت ( العلويين ) كانوا يجيز بعضهم بعضا فيه ( [21] ) ونص كلامه: ( ... وأجازنا أيضا في الأذكار والأدعية التي في شمس المعارف الكبرى والعمل بما فيها من الفوائد ).
وقد عدوا من اشتهر بهذا العلم وعرف به أنه من الأولياء، وعدّوا ما جاء به من خوارق من الكرامات قال الشلي مترجماً لأحد هؤلاء: ( ومن هؤلاء الأولياء الذين يعرفون هذا العلم ويستخدمونه *** بن عبد الله بن ال*** علي رضي الله عنه أحد الأولياء الصالحين والمشايخ العارفين مرشد السالكين وقدوة الناسكين( [22] ) .
وقال أيضاً: ( ويقال أنه يعرف علم الحرف علّمه إياه بعض السياحين، بعد أن اختبره بأشياء يعجز عن احتمالها أكثر الكاملين، وكان يحكم الوفق الثلاثي، ويتصرف به، وله كرامات كثيرة وأنفاس منيرة شهيرة، فكان يأتي بالشيء قبل أوانه، ويحضّر بعض الأشياء التي لم توجد إلا في البلاد البعيدة " حكي " أنه أطعم بعض أصحابه فاكهة الصيف أيام الشتاء! وأطعم بعضهم بحضرموت القات المشهور باليمن!! ).
2- جعلهم من الكرامة لأوليائهم العروج إلى السماء، فهذا أحدهم يقول في ترجمة الفقيه المقدم: ( وكان من جملة ما كتب به إلى ال*** سعد أنه قال عرج بي إلى سدرة المنتهى سبع مرات وفي رواية سبعاً وعشرين مرة وفي رواية سبعين مرة ) ([23]).
وحكاية أخرى في نفس الموضوع يقول علي الحبشي: ( قال ****** أبو بكر العطاس صلينا نحن و****** محمد المشهور في مسجد باعلوي فقال لي يا أبا بكر بانتنسم بانزور السماء ـ مثل ماتقول : بانروح النخل قال: فطلعنا من سحاب إلى سحاب إلى أن وصلنا إلى السماء ورجعنا وصلينا المغرب في با علوي ) والعروج إلى السماء ليس خاصاً بهم بل حتى لدوابهم يقول أحدهم: ( إن دابة الفقيه المقدم محمد بن علي تعرف طرق السماء كما تعرف طرق الأرض ) ( [24] ) وليس عروج لمجردالعروج ولكنهم يأتون بخبر السماء قال صاحب " الجوهر الشفاف ": ( وروى المشايخ رضي الله عنهم أن ال*** الكبير العارف بالله تعالى الشهير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن رضي الله عنه أتى إلى تريم بعد ما توفي *** شيوخنا الفقيه محمد بن علي رضي الله عنه ليعزي أولاده وأمه زينب أم الفقراء رضي الله عنهم فلما اجتمع بأم الفقراء قال لها كيف حالكم بعد ال*** محمد بن علي فقالت وايش حالنا بعد ال*** فقال ال*** عبدالله في ولده ال*** علوي عوض إن شاء الله تعالى فقالت وما حال علوي مع أبيه كان في حياة أبيه علم السماء عندنا كعلم الأرض يأتينا بكرة وعشياً وأما مع علوي ما بعد يأتينا يوم بعد يوم؛ويوم بعد يومين وفي رواية يأتينا في الشهر مرة )([25]).
3- إن الولي يعطى الكرامات قبل أن يولد أو يكون له عمل يصل به إلى الولاية:ومن ذلك ما ذكره صاحب " الجزء اللطيف" قال:( وأخبرني بعض الثقات أن ال*** عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه تنازع هو وزوجته عائشة بنت ال*** عمر المحضار رضي الله عنها في تسمية ولدها ال*** أبي بكر؛هو يقول نسميه أبا بكر وهي تقول نسميه عمر وهو إذ ذاك حمل في بطنها؛فلم يلبث قليلاً إلا وجاهم ال*** سعد بن علي مدحج فقال لهما:إن الولد الذي في بطنك يا عائشة أتاني الآن إلى المسجد وقال:إن اسمي أبو بكر)([26]).
وقال علي بن محمد الحبشي: ( وقالوا إن سيدنا أبو بكر العيدروس العدني لما تعسرت به أمه في الولادة,قال أبوه سيدنا أبو بكر: هذا ولدي مابايخرج حتى يقرأ اللوح المحفوظ باقي معه اسطر بايتمها وبايخرج ) ([27]) هذه بعض النماذج وهي نماذج موجزة أخذتها على وجه العجلة، وهناك ما هو أغرب وأعجب منها كثيراً،وهذا المفهوم المنحرف للولاية وللكرامة هو الذي يدين به صوفية اليوم؛ويسعون لنشره وتعميقه في أذهان الأجيال الحاضرة ويعملون وسعهم لتبريره؛وتأويل ما هو مشكل منه؛وقد وقف أحد كبار دعاتهم المعاصرين نفسه على ذلك وسمى نفسه (خادم السلف)أي سلفه صوفية حضرموت، وله سلسلة كتيبات باسم " منهجنا " يقرب فيها تلك المفاهيم إلى عقول الناشئة ويشن الحملات على من يخالفهم أو يطعن فيهم ويبرر كل ما انتقد عليهم: من تلك السلسلة عناوين مثل: " تقليب الأرض الخاشعة في الذب عن منهاج الفئة المخبتة الطائعة " " والمناصرة والمؤازرة لكافة منسوبي مدارس آل البيت النبوي في المرحلة المعاصرة " "دراسة تحليلية تبرز دور آل البيت النبوي في حضرموت في التأثير المنهجي الصوفي عالمياً واستمرار هذا الجدارة أمام كافة الدعوات المعاصرة إذا استعيدت ضوابط المدرسة الأساسية "و" شروط الاتصاف لمن يقرأ كتب الأسلاف: كالمشرع الروي، والغرر، والترياق،والجوهر الشفاف." وهي أكثر تلك الكتب عرضاً لخرافاتهم وخزعبلاتهم، يفرض في هذا الكتاب شروطاً يجمعها التسليم المطلق، وحسن الظن،وعدم الاعتراض على ما فيها،لأنه ما من فقرة من فقراتها إلا ولها تأويل عظيم ومقصد كريم قد يقصر فهمك عن إدراكه، لذلك عليك اعتماد القاعدة الشهيرة لديهم :
وسلِّم لأهل الله في كل مُشكلٍ لديك لديهم واضحٌ بالأدلة
أو القاعدة الأخرى:
وإذا لم ترَ الهلال فسلِّم لأناس رأوه بالأبصار
وهاهو يبرر تلك الشطحات فيقول: ( قلت: ومن المعلوم أن ( ظاهره الشطح والطامات لا تمثل في منهج سلفنا ولا في منهج الفرد منهم قاعدة - ولا تعد أصلاً - بني عليه أمر الإتباع والإقتداء وإنما - إن صحت- حالات طارئة تعبر عن ذاتها مقرونة بالحال الذي قيلت فيه ( لذات القائل ) خارجة عن مألوف علمه وطبعه ولا يقاس به عقيدته ولا علمه ولا منهجه في السلوك والمعرفة. لأن بعض الأولياء قد يبلغ بهم "الحال " المترتب على انفعال، أو غضب أو تحد أو منافسة أضداد أو غير ذلك من مسببات الإثارة الطبعية الشاذة، أو يكون في حالة فرح واستئناس برحمة الله، وما يطرأ من الوجد والشوق بعد تمام الطاعة أو عبادة فتنزلق من لسانه كلمة أو عبارة توهم الشك في ظاهر لفظها، وتثير الاستغراب عند تأمل معناها فيثبتها المريدون المتنافسون ويروِّجون خبرها بين الأنداد والأضداد كعبارة متميزة وذات مدلول خاص وكان الأولى والأثبت والأسلم أن لا تروى ولا تكتب لأنها لا تعد عند أهل الطريقة فضيلة أبدا بل هي ليست عند أهل الثبات مطلباً ولا غاية إلا أن يكون الولي مأذوناً له بالخصوص فهذا أمر لا يتعداه إلى غيره قال الإمام الحداد مجيباً على من سأل: ( وأما ما سألتم عنه من قول أولياء الله من الثناء على أنفسهم بقولهم أنهم أعطوا كذا وكذا فقد يكون ذلك عند غلبة الأحوال عليهم، أو قد يكون بإذن من الله في ذلك لهم ) وقوله: ( إن ظاهرة الشطح والطامات لا تمثل في منهج سلفنا ولا في منهج الفرد منهم قاعدة - ولا تعد أصلا - ). هذا يوحي بأحد أمرين: إما إنه يهون الأمر ويجحده مع علمه به أو أنه لا يرى أكثر تلك الشطحات والطامات لا يراها كذلك وعلى كلا الاحتمالين فإن الإطلاع على تلك الكتب التي ذكرها يكذبه ويدحض حجته، وإن شئت فأقرأ كتابَي " كنوز السعادة الأبدية في الأنفاس العلية الحبشية " وكتاب " تذكير الناس من كلام أحمد بن حسن العطاس " وهما شخصيتان من أعظم شخصياتهم في العصور المتأخرة، إذ مات الحبشي سنة 1333 هـ وأحمد بن حسن العطاس سنة 1334هـ .
ففي هذين الكتابين من الطامات والدعاوى والخرافات ما لا يقبله عقل ولا يسنده نقل، والكتابان مطبوعان يمكن الرجوع إليهما، ومع ذلك يقول المشهور في مقدمة ترجمة الحبشي من كتابه " لوامع النور ": ( إمام العلويين في زمانه و*** الشيوخ في عصره وأوانه هادي النبوة ومرآتها، ولسان الدعوة المحمدية وسيد حداتها) ( [28] ) . ويقول عن علمه وفتوحه وحسن كلامه: ( وفي كل تلك الأحوال قام ****** أبو بكر العطاس بإلباسه وإجازته، والنظر إليه حتى صار بتلك الرعاية بعد توفيق الله تعالى مقتبساً للأنوار ومركزاً للإمدادات والواردات، وحسب القارئ أن يلتفت إلى نظم ****** علي بن محمد الحبشي في ديوانه الحكمي والحميني ليرى مدى الإبداع الجامع لمحاسن شتى ووصف صادق لعلاقته ب***ه وأستاذ روحه. ال*** الذي أذن له فيما بعد أن يبرز للتدريس العام. وازدهرت سيؤن وما حولها ببروزه حيث تصدر الدروس الفقهية والنحوية والصوفية وحدا بلسانه الفياض ووارداته الربانية بما يهز الأفئدة ويست*** الدموع. وكان الكثير من أشياخه من يحضرون دروسه ومذاكراته ليرون جني الغراس الذي غرسوه بأيديهم ) ( [29] ).
قلت: ومن تلك الواردات الربانية ما سبق نقله ( حين زعم أن ***ه أبا بكر العطاس و***ه عرَجا إلى السماء بعد العصر ثم عادا قبل المغرب )، ومنها في أثناء قصة لأحدهم فقال له الغريب: ( إنه وقع ببالي شيء من مرور وقت الفريضة عليك وأنت تسني فدخل به ****** إلى تسع خلوات فوجد في كل واحدة منهن صورة للحبيب عبد الرحمن تصلي فاعتذر إليه الغريب وشكره على حسن صنيعه معه، وتوجه إلى أرضه في عافية ) ( [30] ) وهذه كلمة أخرى من تلك الواردات الربانية قال الحبشي: ( كان ال*** عبد العزيز الدباغ يقول إن تصريفي يصل حتى إلى الجنان، وأن الحور العين ما يفعلن شيئاً إلا بأمر مني، وهو الذي قال لمريده إن كنت تعتقد أن الْبِسَّ في جميع أقطار الأرض يأكل الفأر بغير إذن مني فما أحسنت الأدب معي ) ثم يعقب الحبشي على هذا الكلام بقوله: ( انظر إلى هذا الفناء العظيم وأين اليوم هذا الاعتقاد لو ما أعجبت المريد كلمة من ال*** تغير اعتقاده ( [31] ).
فهذه النماذج الثلاثة وأمثالها العشرات إن لم أقل المئات مما هو مثلها أو أبشع منها، ومع ذلك يصفها المشهور بالواردات الربانية، وقبل ذلك ينكران أن يكون لسلفه من الشطحات إلا النزر اليسير الذي ليس هو الأصل.
وأما العطاس فله عدة كتب جمعها محبوه، فيها من الشطحات والافتراءات المئات ومع ذلك يقول عنه المشهور: ( *** المشايخ المتأخرين وأكثر شيوخ الإسلام علوماً واتساعاً، وأسمى الأئمة قدراً وارتفاعاً، وأبعد المرشدين صيتاً مذاعاً، وأوفر المصلحين إصلاحاً مستطاعاً ) ( [32] ).
ويقول في وصف كلامه الذي يحتوي على ذلك الكم الهائل من الشطحات والدجل والخرافات: (وكلامه المخطوط المنقول عنه يحمل الكثير من المعاني الفياضة والفتوحات الوهبية الرائعة التي فتح الله بها عليه في الآيات القرآنية وله كرامات باهرات ووقائع خارقات بين حقائق الثمرات التي تصطبغ بها القلوب ذات الأنوار الساطعات حتى إن أخباره وخوارقه على كونها قريبة العهد بعصورنا المتأخرة يعدها أهل الشأن أكبر دليل على بقاء كرامات الأولياء والمتقين واستمرارها ... وإن لله في خلقه أسرار لا تزول ولا تحول على مدى السنين مقرونة بشروطها وقواعدها المبينة لحقيقة معاني الاستقامة ومبانيها )( [33] ).
ويقول أحد مؤرخيهم الآخرين عن أحمد بن حسن العطاس: ( وبالجملة فهو معيار أخلاق السلف وعلومهم ومرجع أحوال الخلق في منطوقهم ومفهومهم ( [34] ) .
قلت : وإذا كان الأمر كذلك فخذ هذه النماذج من هذا القطب الذي هو بشهادتهم ( معيار أخلاقهم وعلومهم ) ففي هداية القلوب - التي هي هداية التوفيق - يقول نقلاً عن ***ه القطب أبي بكر بن عبد الله العطاس -: ( أنه قال في ***ه علي بن محمد المداح المصري فقال: ( إنه ملجأ الأولياء إذا جلس في الحرم تتهافت عليه الأبدال، وكان ال*** علي المذكور يطلب العلم في الأزهر فجاءه ذات يوم تركي فأخذ بيده ومشى به إلى مكان بعيد من الناس فلم يشك أنه سيذبحه حتى وصل به إلى غدير ماء فأمره أن يغتسل ويصلي ركعتين بنية التوبة وأن يخلع ثيابه وأعطاه ثياباً أخرى فألبسه إياها ونظر إليه نظرة كبيرة نقلته إلى مواطن الرجال وخلى سبيله ) ( [35] ) وفي تحصيل العلم قال: ( وسئل ال*** أحمد الرملي عن مسألة وهو راكب على بغلته فأطرق وطأطأ رأسه إلى الأرض، وألتفت يمنة ويسرة، ثم رفع رأسه وأجاب السائل، فسأله ذلك السائل، عما صنع، فقال له إنك لما سألتني لم يكن لي علم بها، فتصفحت كتب المشرق والمغرب فلم أظفر بها ثم نظرت اللوح المحفوظ فلم أجدها ثم أخبرني قلبي عن ربي أو قال نزل بها ملك ) ( [36] ) وفي مراتب الأولياء يقول جامع كلامه: (وجرى ذكر سيدي ****** الإمام الحسن بن صالح البحر، في مجلس حضره سيدي ****** أحمد بن حسن العطاس فقال سيدي ****** علي، رأيت الأخ علي بن سالم بن ال*** أبوبكر بن سالم فقال لي إن فوق العرش رتبة يترآها أهل العرش كما يتراءى النجوم أهل الدنيا فسألت لمن هذه الرتبة، فقيل لي هذه رتبة حسن بن صالح البحر ) ( [37] ) وفي إعطاء الولد يقول جامع كلامه: ( وأهدى بعض السادة لسيدي رضي الله عنه شيئاً، فدعى له بأن يرزقه الله ولداً فقال له حولناك على ****** أحمد بن علي الهدار وهذا ****** كان من أهل الأحوال العظيمة، وكان إذا جاءه أحد وسأله الدعاء بالذرية يقول له يأتيك واحد أو اثنان أو أكثر فاعترض عليه أحد بقلبه فكاشفه ****** أحمد فقال له يا فلان إن الذين قسّمتهم من بحر ال*** أبي بكر بن سالم سبعة الآف ولد وأنت يأتيك نصف ولد فأتاه نصف ولد على رجل واحدة ويد واحدة وناصفة وجه نسأل الله العافية) ( [38] ) وفي نفخ الروح والتحدي بالخلق يقول جامع كلامه: ( وحكى سيدي عن ****** عبدالله بن عمر بن يحيى أنه لما وصل إلى مليبار دخل على ****** علوي بن سهل فرأى في بيته تصاوير طيور وديكة فقال إن جدكم يقول يكلف صاحب التصاوير يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح فقال له عاد شئ غير هذا فقال لا فنفخ علوي تلك التصاوير فإذا الديكة تصرخ والطيور تغرد فسلم له عبدالله بن عمر حاله ) ( [39] ).
ومن طريقتهم في اختراع أنبياء ما أنزل الله بهم من سلطان وتثبيت مشاهدهم للناس ليزوروهم فتقام عندها الزيارات البدعية والشركية وبصورة لا يقبلها العقل قال جامع كلامه: ( ومرة دخلنا معه إلى عمد وعبرنا معه إلى النبي مولى رخيّم ومعنا أناس آخرون فقال لهم أبعدوا هنا لا تؤذوا النبي ثم قام فتوضأ وصلى فوق القبر ثم نام فوق القبر فقلت كيف تنهاهم وتفعل كذا فقال من أفضل ؟ سيد شريف حسيني علوي أو عشرون بهاراً حصى مطروحة فوقه ) ( [40] ).
وأخيراً مما يبين نظرتهم لجهاد الأعداء وموقفهم من ذلك يقول أحمد بن حسن العطاس: ( خرج بعض الأولياء فرأى الخضر مع الكفار يسحب مدافعهم بسلسلة فقال له كيف هذا الحال؟ فقال الخضر أمر اقتضته القدرة الإلهية با نسرع عليه ) ( [41] ) .
هذه نماذج فقط ترمز إلى ما تحفل به كتب القوم وما يتفوه به أقطابهم من الدجل والشطح، وهي لا تمثّل إلا نسبة ضئيلة من حيث الكم وخفيفة من حيث الكيف، الغرض منها إطلاع القارئ الكريم على فكر هذه المدرسة الصوفية، وأنها هي نفسها الصوفية المخرفة الشاطحة الدجالة أينما وجدت، واسمع هذه الشكوى المرة مما وصلت إليه صوفية حضرموت في القرون المتأخرة بقلم أحد أبنائها بل أئمتها ولكنه كان عالماً متحرراً عن التقليد الأعمى إنه أبو بكر بن شهاب قال :

أو عالـم يقضـي بحكم فاصـل




هل للغرائـب من حكيـم عاقـل


في صـورة البشـر السوي الكامل



أمِـنَ الذئاب المُعـط صنفٌ ناطق


كـلا بل المفـتي أسـير السائـل



أأقـول: كـلا والعيان مكـذبي


جعلـوا التصـوف صنعة للداجـل



معـط الذئاب الناطقات هم الأُلى


صوفيـة مثل الفضيـل الفاضـل



فترسمـوا برسومـه كي يحسبـوا


مشـكاة نور الحـق نار الباطـل



يضعـون للتمويـه والتغريـر في


والطيلسـان يـدار فوق الكاهـل



لبسـو العبايا والمسابـح و الحـبى


مـان التنسـك خدعة للجاهل



والمظهـرين الـبر والتقـوى وإد


مـن لاعـب أو شـارب أو آكل



و إذا خلـوا عكفـوا على شهواتهم


حــان السماع ورقصه المتداول



هجروا كتاب الله واستغنوا بألــ


أوتـار تنعـش كل قلـب ذاهل



زعماً بأن الطار والمزمار والـــ


ذي مزهـر أو زامـر أو طابـل



أيقــوم دين الله بالسفـهاء من


مرمـى سـوى جمع الحطام الزائل

بئس الطـوائف لا مـرام لهم ولا


تـدرك غوائلـها لغيـر الفاتـل



ولهــم حبائل لاجتلاب المال لم


و دهاتهـم من كل صـل صائـل



ويطــوف أطراف البلاد دعاتهم


بيـع المـزاد ولـو بشـاة شائل



ممن يبيــع ولا يبـالـي دينــه


مـع كل حاف يَحْفِـدون و ناعل



فـي كل واد لا تطيش ســهامهم


خهم الغـوي ولو خرافـة هـازل



ويذيع كل ما افترى من نعت شيـ


***

جنـح الظـلام وزهـده في العاجل



من صومـه وصلاتـه وقيامــه



وقعـت ولا اتفقـت لساحر بابل



يـروون عنـه خوارقاً للرسـل ما


حلفـوا لسامـع إفكهم والقابـل



ولأجـل نفـي الريب مهما حدثوا


فـي سلـب ثـروة كل غر غافل



وهنـالك الأسـتاذ يجهـد فكره


ـع الصـيد يبدو مكثبـاً للنابل



يترقـب الفرص التي فيها قطيــ


أفعالـهـم مستـدرجـاً للفاعـل



يثـني على أهـل الثراء مصـوبـاً


مِ كـذا وبكـرٌ في الرعيل الواصل



زيدٌ ربيعُ نَدى وعمروٌ في مقــا


يحكيـه مـن إلهـام غيـب نازل



ويشير رمـزاً في الحديـث بأن ما


ومشـت عليـهم حيلـة المتحائل



حتى إذا اعتقـدوا علـو مقامــه


سـاً للتبرك فـي المقـر العائلـي



غمـروه جـوداً و استزاروه التمـا


يده الكريمـة فـوق بطـن الحامل




ولمسحه رأس الصغيـر ووضعــه


جعل البخيـل فريسـة للبــاذل



ومتى تحكَّم مصلحـاً فـي حالة


في القـوم بهـرة كل جمـع حافل



وتـراه يصدع بالمواعـظ خاطباً


متباكيـاً ليرق قلـب النــاكل



يملـي زخـارف زوره متأوهـاً


أخـرى ينــدد باللئيم الباخـل



طوراً يـرغب في الثـواب وتارة


مـلأى من التبر الوفيـر الطائــل



وإذا رأى في الجمــع من أكياسه


منهـم تعـوذ كل غـول غائـل



أوحى إلى أحـد الشياطـين الأُلى


ـوخ تنل بـه أقصـى أماني الآمل



فيقول : يا مسكين زر *** الشيـ


جـد وشغـل بالعبـادة شاغــل



وإذا أتـى ألفـاه في المحـراب في


أدخـل فأنت اليـوم أسعد داخل



ويقـال بعـد الانتظار هـنيهةً :


بالانتشال من الحضيض السافــل



ولك البشـارة إن رزقـت ولاءه


ـلاً يا بـني ومرحبـاً بالواصـل



فإذا تقدم قال شيـخ السوء أهـ


ري سر هـذا الابتهـاج الحاصل



إنـي لرؤيتك ابتهجت ولسـت أد


سـر اتصـال بالأواصـر واغـل



فلعل في لـوح السوابـق بيننــا


نيـا علـى دعـة ولطف شامـل



ولعـل حالك في أمور الدين والد


تقـوى بـه وتقيـم ميـل المائـل



إن كنـت محتاجاً فخـذ ما تبتغي


ـك فنحن في كنف الرسول الكافل



لا تخشَ إملاقاً علـيَّ ولا عليــ


سحَـراً عرتنـي غفوة المتـثاقـل



أعلمتَ أني بعد ختم وظيفتـــي


ـتسمـاً يقول وكان أصدق قائل



فرأيته صلـى عليـه الله مبـــ


ورعايتـي لمقيمكـم والراحــل



أبشـر فأنـت وتابعوك بذمتــي


ة المعـوزين وفي عظـاة الجاهــل



نِـب عن نبيك في مواساة العفـا


مـى و الأيامـى والفقير العائـل



جُد بالنوافل ما استطعت على اليتا


الـ ـحسـنى ولم يعبأ بعذل العـاذل



خذ ما تشاء من امرئ سبقت له
طول الحيـاة وفي الجنـان مخاللـي



وأنا الضمين لمـن يعينك بالغنـى


ممـزوجـة بزعـاف سـمٍّ قاتـل



فيصدِّق المسكـين كاذبَ قصـة


لسـداد ذي عـوزٍ ورفد أرامـل



فيشـاطر الأستـاذ خالص تبـره


إبليس لـم يطمع لها بممـاثــل



ولكَـم لهـم في السر غامض حيلة


أبَتِ المـروءة شرحـها للناقــل[42]



ولهـم مع الجنس اللطيـف لطائف


أما ما يتعلق بـعلي الجفري فإنه ابن هذه المدرسة وتلميذها بل ويعد نفسه هو و***ه عمر بن حفيظ من المجددين لهذه المدرسة، وتعرف دار المصطفى التي يقومان عليها بأنها تتبنى الخط المحافظ جداً على الموروث حتى إن زملائهم في تريم يُحرجون أحياناً من تصرفاتهم وجمودهم على صوفية تلك المدرسة، وهذا أنموذج مكتوب بقلم عمر بن حفيظ يدل بما لا يدع مجالاً للشك بتمسكه الحرفي بما عليه أسلافه، كَتَبه تقريظاً لكتاب صدر حديثاً بعنوان " الدليل القويم في ذكر شيء من عادات تريم " وهو يحتوي على عدد كبير من البدع الحولية وغير الحولية وعلى الزيارات القبورية والحضرات الخاصة بالسماع الصوفي الذي يتم فيه تمايلهم وتثنيهم على صوت الدف واليراع متقربين إلى الله بذلك راوين له أجل المناقب والفضائل ومن تلك العادات ما هو معاصي إذ يشترك فيه الرجال والنساء ويحصل فيه ما ينافي القيم والأخلاق الفاضلة، وهو مع هذا كله الذي يحويه الكتاب، وهو موجود ويمكن الرجوع إليه، أقول مع هذا كله يقول عنه عمر بن حفيظ: ( فقد اطلعت على ما جمعه السيد الماجد الفاضل الحريص على طريقة أهله الأفاضل حامد بن محمد بن شهاب الدين من عادات رجال الهدى القادات الملحقة بالعبادات لقيامها على أسس العلم والمتابعات والإقتداء بهدي سيد السادات بتريم وحضرموت فسررت بهذا الجمع ورجوت أن يكون مصدر نفع وأن يكون له في قلوب الناشئة المتطلعين إلى تراتيب أئمتهم أحسن الوقع ولا شك أن البركة تتنامى والمواهب تتسامى بالارتباط في الأعمال بخواص الرجال أهل سعة النيات والمعارف والذين لهم في معاملة الحق أعجب اللطائف فالمقتدي بهم بكعبة صدقهم مع الحق طائف والمرتبط بهم بوادي الفضل والإحسان عاكف.
وكم تنوسي وأهمل من أعمال أسسها أكابر ففقد خلفهم سواكب غيثها المتواتر وفاتهم ما انطوى فيها من سر وخير في الظاهر والباطن فجزى الله السيد حامد خير الجزاء وآجره وأتحفه بالفوز حين اللقاء ورزقنا حسن الإقتداء بأئمتنا الأطهار والقادة الأخيار في خير وعافية
قد حوى ما جمعت يا حبيب فوائـــد فيه أعربت عن جميل العوائد
لنجوم الهدى ووراث طـــه وخيــار الورى الكرام الأماجد
فيها الهـــــدى لمـن رام يهدي وبها النفع للخلائق عائد
فجزاك الإله خيرا فسعيك محــ ـمود وسميت يا أخا المساعي حامد
وصلاة الإله تغشى حبيــب الله أكرم كل هاد وعابد
وعلى الآل والصحابة والأتـ ـباع من كل راكع ثم ساجد ( [43] )
وتأمل قوله : ( من عادات رجال الهدى القادات الملحقة بالعبادات )وقوله : ( فيها الهدى لمن رام يهدي وبها النفع للخلائق عائد ).
وخذ عادة من تلك العادات الملحقة بالعبادات, وفيها الهدى لمن رام يهدي: قال المؤلف تحت عنوان (النـزه والمنادر ) وبعد وصف لما يحصل من الاستعداد للنزهة ثم ما يكون فيها حتى يحين وقت الرجوع إلى المنازل: ( وهكذا إلى أن يحين وقت صلاة العصر فيصلون في جماعة وينفضون من المجلس عائدين من مواقع النزهة لذلك المندر في طريقهم إلى أحيائهم ببلدهم الغناء تريم مسقط رأسهم فيجمعون ما عندهم من أدوات ومن فرش ويحملونها على الإبل والحمير ويركب كبار السن والأطفال ويعودون إلى حيهم بالخليف وعيديد مارين بمسيال التربة وهم يترزحون فيما يسمى بالخابة وأمامهم البقارة ينعشون والنساء على حافة الشوارع ومن شرافات ونوافذ البيوت يحجرن ويعيطن، والجماهير محتشدة تتفرج وتشارك في تلك الأفراح يغمرها الفرح والسرور ويعتبر هذا المندر عيد كبرى، ويوم سعيد يسجل بماء الذهب وموسم عظيم جداً جداً، نسأل الله تعالى أن يحفظ لنا هذا التراث القيم ويقيض من يقوم بإحيائه وبإعادة طابعه على ما كان وزيادة وأن يجمع الله الشمل ويهلك ويدمر من ضيّع وأمات وفوت علينا هذه العادات الحسنة، وأن يوفق الله آبائنا وشيوخنا ومقادمتنا وقيادتنا السياسية للحث على إحياء هذه العادات وهذا التراث الخالد )( [44] ).
وتأمل قوله: ( والبقارة ) وهم فئة من الفئات التي تكون المجتمع التريمي ينعشون. والنعش نوع من رقص النساء يكون بالرأس والشعر، وقوله: ( والنساء على حافة الشوارع ومن شرافات ونوافذ البيوت يحجرن ويعيطن، والجماهير محتشدة تتفرج ) ثم قوله: (ويعتبر هذا المندر عيد كبرى، ويوم سعيد يسجل بماء الذهب وموسم عظيم جداً جداً ) ثم يسأل الله أن يحفظه ويهيئ من يقوم بإحيائه. وإعادة طابعه على ما كان وزيادة ) فهذا دين القوم وعاداتهم الملحقة بالعبادات.
وعلي الجفري على ما سبق من انحرافات عقدية وعملية يدافع عنها أشد الدفاع، وقد ظفرت بشريط مسجل له وهو يحاول إقناع مجموعة من الشباب بتلك العقائد المنحرفة تأكد من خلاله أنه يؤيدها بقوة ويحشد الشبه القوية لإثباتها ومن تلك المخالفات الكبيرة:
1- إثبات عقيدة القطبية التي سبق عنها الحديث، وأنها مأخوذة عن الباطنية الإسماعيلية.
2- إثبات تصرف الأولياء في الكون والمبالغة في ذلك إلى درجة أنه لما ذكر أن بعض العلماء علق على تلك المزاعم بقوله ( ماذا أبقوا لله؟! ) قال إنه كلام خطير، وإنه إما أن نقول بأنه يعي ما يقول وهذا كفر، أو نقول أنه أحمق إذا أردنا أن نخرجه من الكفر، ويحتج على ذلك بأنه حتى لو قلنا بأن الولي يتصرف في الدنيا وفي الآخرة. فهل ملك الله محدود بالدنيا والآخرة؟ إذن يثبت للولي تصرفاً في الدنيا والآخرة أي جميع الكون الذي نعرفه، وأما الله فملكه يتعدى هذا الكون الذي نعرفه؛ لذلك من قال أن الولي المتصرف في الدنيا والآخرة ماذا أبقى لله هو إما أحمق أو كافر. وعقيدة تصريف الكون هذه قد سبق بها فرقة غالية من الشيعة تسمى ( المفوضة ) قال عنهم البغدادي في الفَرق بين الفِرَق: (وأما المفوضة من الرافضة فقوم زعموا أن الله تعالى خلق محمداً ثم فوض إليه تدبير العالم وتدبيره فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى ثم فوض محمد تدبير العالم إلى على بن أبي طالب فهو المدبر الثالث.
وهذه الفرقة شر من المجوس الذين زعموا أن الإله خلق الشيطان ثم إن الشيطان خلق الشرور، وشر من النصارى الذين سموا عيسى عليه السلام مدبراً ثانياً فمن عد مفوضة الرافضة من فرق الإسلام فهو بمنزلة من عد المجوس والنصارى من فرق الإسلام. ) ( [45] ).
3- يثبت عقيدة الرجعة، تلك العقيدة الشيعية التي عرف بها غلاة الشيعة، ويدلل في هذا الشريط على إمكانية عودة النبي r إلى الحياة الدنيا، وخروجه من قبره بجسده وروحه وكذلك الأولياء، ومن الناس من يراهم ويخاطبهم، ويستدل بأثر فيه أن هناك من رأى أبا جهل خارجاً من قبره يستسقي الماء وإذا ملك خلفه معه مرزبة فضربه وأعاده وقال لا تسقه فإنه عدو الله، فيقول إن الرسول r والولي من أمته أحق بإمكانية الخروج من أبي جهل، وهو يخالف محمد علوي المالكي الذي يرى أن الذي يخرج فقط الروح، أما هو فيرى الخروج بالروح والجسد ويعلل قول المالكي أن المالكي يخشى أن يكون في التصريح بخروج الجسد نقص في النبي r.
4- بناء على تلك العقائد الضالة يثبت أن الرجل إذا استغاث بالولي فإن الولي يخرج من قبره ويغيثه.
5- يرى دعاء الأموات من دون الله الذي يسميه استغاثة أمراً مباحاً هذا أقل ما يقال، وإلا فمن الممكن أن يراه مستحباً.
6- يدافع بشدة عن الحلاج وابن عربي، بل وللتمويه ينسب إلى ابن تيمية أنه يعترف بأن الحلاج على حق وإلى العز بن عبد السلام أنه قال عن ابن عربي أنه قطب الزمان.
7- وبناء على إقراره أن الحقيقة قد تخالف ظاهر الشريعة، هذه القاعدة التي أفتى الصوفية والفقهاء بموجبها بقتل الحلاج وابن عربي، وفي نفس الوقت أثبت أهل البصيرة والكشف أنهما من أقطاب الأولياء.
أقول: بموجب ذلك يصر على أن ذلك الولي الذي سبق ذكر قصته - وإن لم يسمه - الذي تجتمع له حسان النساء يرقصن ويغنين أنه ولي في الباطن مع وجوب إقامة الحد عليه.
8- يصر على أنه يمكن للولي على سبيل الكرامة أن يأتي بولد من غير أب بل من غير أب ولا أم، وأن من أنكر ذلك إنما أنكره من باب الحفاظ على الأعراض، وأن لا يفتح الباب لمن زنت أن تقول هذه كرامة ولي، وإلا فإنه ممكن ومن أنكره إنما أنكره لأجل الاحتياط كما سبق.
9- يحاول إثبات أن الولي ينفع بعد موته، ويستدل على ذلك بأن موسى نفع النبي r ( حيث أرشده إلى أن يطلب من ربه تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس ) فهذا نفع من موسى وهو ميت، إذن الميت من الأنبياء والأولياء يمكن أن ينفع ويضر.
والغريب أن من تكلموا قبله في جواز الاستغاثة بالأموات يقولون أنه: ( إذا اعتقد أنه ينفع ويضر بذاته أن ذلك شرك بالاتفاق ) فهل الجفري تخطى هؤلاء أم له تأويل آخر؟.
10- الجفري يعمل بكل طاقته لإحياء الزيارات القبورية المشتملة على الفساد الخلقي، والبدع والشركيات، ومنها زيارة قبر نبي الله هود ذلك القبر المزعوم الذي لا حقيقة له بما في تلك الزيارة من ضلالات كبيرة وكثيرة كما بينها كتاب " زيارة هود وما فيها من ضلالات ومنكرات " وزيارة ال*** سعيد بن عيسى العمودي التي يصفها مؤرخ حضرموت علوي بن طاهر الحداد وهو من الصوفية وليس من السلفية قال في كتابه " الشامل في تاريخ حضرموت ": ( قيدون هي مثابة أهل بوادي الدَّيِّن والمشاجر والبلعبيد وما والاهم ، ولاسيما في فصل الخرف وهو موسم نزول الأمطار وهو إحدى وتسعون يوماً أولها من دخول نجم النعام الموافق لأول يوم في جولي أو لثانية على الخلاف الآتي شرحه ، تأتي هذه القبائل يتلو بعضها بعضاً زائرة لل*** سعيد تطلب الغيث لبلادها والعادة أنهم يصلون إلى رأس الجبل المشرف على قيدون عشية الخميس فإذا أشرفوا عليها هللوا يقولون : عموم ! عموم ! يا *** سعيد ! يا *** سعيد ! ثم ينزلون العقبة يزملون بالزاي المعجمة أي يرتجزون، قال في شرح القاموس : (والزمل محركة الرجز وسمعت ثقيفاً و هذيلاً يتزاملون أي يتراجزون) ا.هـ. ،ويقال له الزمل والزامل ، ولهم في زملهم أشعار رصينة يصفون فيها سيرهم وبُعد شقتهم وأنهم جاءوا إليك أيها ال*** سعيد يبتغون السيل والغيث فبلادهم مسنتة وعار عليك إذا رجعنا بلاكرامة.
وأشعارهم تدور حول هذا المعنى ، وكل طائفة منهم تحرص أن يكون معها شاعر ينظم لها الزوامل فيذهبون إلى ضريح ال*** سعيد ويدورون بتابوته ، وبما عنده من التوابيت وهم يزملــون ، ومنهم من يأتي بآنية السمن ويسمونها " صمرة " ، واحدها صمار فيصبونها على التابوت ، وقــد يثب أحدهم إلى أعلاه ليتمكن من صبه ، وأما ما يأتون به من النذور من غنم أو نقد أو حبوب فإنهم يسلمونها للخطيب أي القائم من قبيلة آل باراسين وهم خطباء مسجد الجامع ، وإليهم تساق النذور ويذهب منهم رسل يبعثهم القائم المذكور إلى البوادي فيجمعون له حصة من العشور أي الزكاة و ما لديهم من نذور،فإذا قضوا الزيارة دخلوا إلى المسجد وهم يزملون ، وطلعوا منارته فإذا علوها صاحوا بقولهم : عموم! عموم! يا *** سعيد ! ولا يزالون على هذا الديدن طول ليلة الجمعة ويومها قلما يرقدون أو يستريحون، ويعودون إلى بلادهم يوم السبت والخطيب القائم المذكور يضيفهم ليلة ورودهم .
وإذا مرت لهم سنين ولم يغاثوا أو توهموا أن ال*** سعيد عاتب عليهم فإنهم يأتون بعقيرة والمراد بها بقرة أو جمل يأتون بها يزفونها بزاملهم حتى إذا وصلوا إلى الباب الموصل إلى ضريح ال*** عقروها ونحروها وهم يصيحون باسم ال*** سعيد قائلين : يا *** سعيد ! بحرك ! مع نحرها أو ذبحها ويعنون بقولهم : بحرك ! نطلب بحرك ، وبحرك معناه عندهم بحر برهانه، والبرهان هو التصرف والتأثير والكرامات ، ثم يتركونها فيتكالب عليها من ضري بأكلها فيجرونها إلى بعض الدور ويوصدون الباب ثم يعملون فيها شفارهم بسرعة يبادر بعضهم بعضاً مع ضجة وتهديد و هرير ثم يخرجون ركضاً منهم المسرور؛ لأنه أخذ منها قطعة جزلة، ومنهم المتبرم والغاضب والمحروم، والنصيب الأكبر لبعض كبراء أهل البلد ، وإذا كثر طبخوه و جففوه وكنـزوه للأيام المقبلة ، وقد يأتي القبائل بعدة من العقائر ، وهم يقولون العقير بفتحتين على التخفيف والمراد بها تلك القرابين، كما فعل ذلك قبيلة الزي حين غلبوا مراراً في حربهم مع الحالكة ، وقد تقدمت الإشارة إليه فإنهم جاءوا بعدة منها يطلبون بها النصر من ال*** سعيد على أعدائهـم وهـذه العقـائر " القرابين " مما أهل به لغير الله فهي ميتة حرام أكلها والانتفاع بها، قال الله تعالى : ] وما أهل لغير الله به [[46] ونص على ذلك العلماء في كتب الفقه لا يخفى على طالب العلم ) ([47]) .
ثم يصف الفساد الأخلاقي في هذه الزيارة فيقول : ( ويدخل العبيد ضحوة يوم الجمعة في زفتهم وقد أحاط بهم الغوغاء فيصلِون قبة ال*** سعيد والإمام يخطب، فتمتلئ جوانب المسجد بضجيج مزاميرهم ونقرهم وطبولهم ولغطهم برطانتهم وضربهم التوابيت ، فلا يسمع خطبة الخطيب ولا قراءة الإمام إلا من دنى ، و تمتلئ شوارع السوق بالنساء والرجال في زحام يتضاغطون يموج بعضهم في بعض ، ويصدر عن ذلك أمور يندى لها الجبين ، وتضحك لها الشياطين ،والنساء مزينات يستترن بشقة وبرقع تبدو منه المحاجر، وترمى منها النصال ،وتسل الخناجر،ويظهر المتبرجات منهن وهن الأكثر من أعناقهن ونحورهن وأذرعتهن وأسوقهن ما يست***ن به نظر الرجـال إليهن وتتبع الفساق لهـن، ويقع مع شدة الزحام وتضاغط الأجساد ما لا يعبر عنه ، وهذا المنكر الذي يغضب الله على فاعليه إنما حدث منذ سبعين سنة أو نحوها ، وماكان النساء يأتين لهذه الزيارة ولا يخرجن إلى الأسواق بهذه الصفة ، وقد قام في منعه ***نا ****** طاهر بن عمر الحداد فعُورض من بعضهم وكاد الأمر يفضي إلى تعب شديد ، وذوو العقائد الزائغة من الجهلاء والحمقى يعتقدون أن بحر ال*** سعيد يحمل إثمهم ، ويسكت لهم على ذلك ، موهماً لهم صحته من يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، ويسعى في بقاء الحال على ما هو عليه من اجتمع له الجاه ونفوذ الكلمة والجهل والبعد عن الدين والجفاء عن الإسلام .
وقد رُفع إلى ****** عبدالله بن علوي الحداد خبر اجتماع نسـاء في محل قريب من محـل الرجال في الواسط قرية من أعمال الشحر ، بحيث تسمع أصواتهن ، فشدد في ذلك ، فكيف بمثل ما يقع في هذه الزيارة وهو الإختلاط وتضاغط تتلاحم فيه الأجسام ، وتتدافع فيه الأعضاء ، وأكثر المتسمين بالعلم تجبن نفوسهم من إنكار ذلك خوفاً أن يرميهم العوام والمتظاهرون بالتعالم والصلاح بفساد العقيدة ؛ لأنهم لا يقرون بحل الزنا والفسق للزناة و الفساق في زيارة ال*** سعيد مع أن بحره يسع ، وعندهم أن بحره ينسخ الشريعة الإسلامية ويمحو حكم القرآن ويرد نهي الله ، ويحل ما حرم الله ، ومن صدق قول الله ورسوله e وكتابه العزيز في حرمة الزنا والفسق هنالك فهو زائغ العقيدة ، فهل سمعت بجهل أغلظ من هذا الجهل ؟ وهل كانت الجاهلية التي كان عليها العرب قبل الإسلام إلا دون هذه الجاهلية ؛ لأن أولئك لم يكن عندهم دين محفوظ ، ولا قرآن يتلى ، وإنما كانوا في فترة من الرسل بخلاف هؤلاء .
وليعلم كل من وقف على كتابنا هذا أن من كذب بحرف واحد من القرآن كفر فكيف بمن كذب بآيات منه كثيرة ، وقد أخبرنا الله فيه أنه لا يغفر أحد الذنوب إلا الله ، قال الله تعالى : ] ومن يغفر الذنوب إلا الله [[48]؟ وأنه لا يحمل أحد ذنب غيره كائناً من كان قال الله تعالى : ] ولا تزروا وازرة وزر أخرى[[49]، وقال تعالى : ] وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء وإنهم لكاذبون [ [50] ، وقال تعالى :] وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء [[51] ، وقال تعالى في أمر الزنا : ] ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً [[52] فمن كذَّب بما دلت عليه هذه الآيات ممن له إسلام صحيح فقد ارتد وطـلُقت منه زوجته وصار ماله فيئاً لمصالح المسلمين ، ومن كان من صغره مصراً على هذا الاعتقاد فهو على غير ملة الإسلام وعليه إذا أراد أن يكون مسلماً أن يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ويؤمن بالقرآن وما جاء به r ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .
ومنهم من يقول : بُصْر ال*** سعيد ، يعني أن الأمر راجع إليه إن أراد أن يغير ذلك الفسق أو يبقيه ؛ فردوا إليه الأمر والنهي والشرع والقدرة والتغيير ، ومنهم من يقول : لو ما بغاه ال*** سعيد ما وقع ! وهذه الكلمة كالتي قبلها تعود إلى الكفر بالله وتكذيب الرسل والشرائع ، ومعارضة أمر الله وحكمه ، وقد نعى الله على المشركين مثل هذا القول مع أنهم أرجعوه إليه U لتضمنه تكذيب الرسل والكتب المنزلة ومحو الدين ، فإن رسل الله دعتهم إلى عبادة الله وحده وأن لا يحرموا شيئاً لم يحرمه الله ، فاحتجوا على الرسل بأنه لو أراد الله لما فعلنا شيئاً من ذلك فردوا أمر الله وشرعه وما جاءتهم به الرسل بقولهم المذكور في قوله تعالى : ] وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين [ [53] يعنون به أن الله قادر أن يمنعنا عن هذا الفعل فلما تركنا عليه كان ذلك دليلاً على أنه يحبه و يرضاه ، وهو مثل قول هؤلاء : " بُصْر ال*** سعيد " أي أن ال*** سعيد قادرعلى إزالة الفسق المذكور فتركه له مع قدرته على إزالته دليل على محبته له ورضاه فجعلوه مـع اعتقادهم أنه من الصالحين محباً للزنا والزناة ، والفسق و الفساق راضياً بذلك ، وكان قول المشركين أدل على الفهم من قولهم ؛ لأن أولئك ردوا الأمر و التغيير إلى الخالق ، وأما هؤلاء فردوه إلى المخلوق ساء ما يحكمون وساء ما يتوهمون ، وسينكشف لهم الغطاء يوم القيامة ويظهر لهم ما لم يحتسبوا ]وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) [[54]).
واعلم أنا سمعنا هذه الكلمة منهم مراراً وتكراراً عند ذكر كل منكر يقع في هذه البلدة من السرقات والظلم وغير ذلك ، ونسخوا بقولهم هذا الشرع ومحوه ، فنسخوا مشروعية الموعظة والنصيحة والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام والفرض والمندوب وأحكام الحدود والجنايات بل سائر أحكام الشرع ، بل لا حاجة مع قولهم هذا إلى إرسال الرسل ، ولا إنزال الكتب ولو تنصر الناس أو صاروا يهوداً أو عبدوا الأوثان لمَاَ وجب نصحهم ولا نهيهم بل ولا حاجة لذلك عندهم ، ومع أنّ ما ذكرته هنا من ضروريات الدين ، فلا بدع أن ترى من يشك فيه في هذا الزمان الذي عادوا فيه إلى الجاهلية الأولى: ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . [55][56] .
هذه هي زيارة سعيد بن عيسى كما يصفها الحداد، يعمل صوفية حضرموت اليوم على إعادتها وإنعاشها من جديد ، ولا يكاد يمر موسم من مواسم تلك الزيارات إلا ويكون لأبي بكر المشهور العدني ، وعمر بن حفيظ ، وعلي الجفري حضور فيها وحث عليها ودعوة إلى تجديدها وتعديد الفضائل ومناقب صاحبها .
أفبعد هذا كله يزعم الدكتور يوسف الشراح أن المنتقدين للجفري والخائفين على الجماهير من سمومه ؛ إنما هم حساد حاقدون ؟!!.

[1]الأحزاب 39

[2] ال عمران 7

[3]رواه البخاري 8/209 مع الفتح

[4] تلبيس ابليس 216

[5]المقدمة لابن خلدون 619-621.

[6] الكامل في التاريخ 8 /21 بواسطة فلسفة التصوف 138-139.

[7] لسان الميزان 6/88-91.

[8] فلسفة التصوف من خلال النشأة والتطور 136-139.

[9] مجموع رسائل الإمام الغزالي 356.

[10] الجوهر الشفاف 92

[11] المدر السابق 92

[12] 91

[13] 161

[14] 213

[15] انظر المشرع الروي 2/6_7 وصحح أن ما جاء في البيت الثالث من قوله ( قيسا ) غير صحيح وإنما الصحيح حيوة بن قيس .

[16] المشرع الروي 2/211

[17] كنوز السعادة الأبدية 55_56

[18] خلاصة الخبر عن بعض أعيان القرنين العاشر والحادي عشر 359.

[19]خلاصة الخبر 358.

[20] 12.

[21] انظر الأشواق القوية إلى مواطن السادة العلوية 25-26.

[22] المشرع الروي 2/254- 255.

[23]ـ شرح العينية 158

[24] الجوهر الشفاف 95.

[25]المرجع السابق.

[26] الجزء اللطيف 9.

[27]كنوز السعادة الأبدية 227.

[28] لوامع النور 197.

[29] لوامع النور 198- 199.

[30] كنوز السعادة الأبدية 53.

[31] كنوز السعادة الأبدية 179.

[32] لوامع النور 220.

[33] لوامع النور 1/222.

[34] تاج الأعراس 2/725

[35] تذكير الناس 260.

[36] تذكير الناس 25

[37] تذكير الناس 219-220.

[38] تذكير الناس 321.

[39] تذكير الناس 154.

[40] تذكير الناس 163 والبهار وحدة من وحدات الوزن

[41] الرحلة المكية للعطاس جمع محمد بن عوض بافضل 51.

[42] انظر: ديوان ابن شهاب ( 193 – 196 ) طبع مكتبة التراث الإسلامي عدة، ودار التراث اليمني صنعاء، الطبعة الثانية سنة ( 1417هـ -1996م ).

[43] الدليل القويم في ذكر شيء من عادات تريم 235-237.

[44] الدليل القويم في ذكر شيء من عادات تريم 221-222.

[45]الفرق بين الفرق 251.

[46] المائدة ( 3 ) .

[47]الشامل ( 214-215 ) .

[48]آل عمران( 135 ) .

[49] الإسراء ( 15 ) .

[50]العنكبوت ( 12 ) .

[51]فاطر ( 18 ) .

[52] الفرقان (68 ،69، 70 ) .

[53] النحل ( 35 ) .

[54] الزمر ( 47 ) .

[55] الشعراء ( 227 ) .

[56] الشامل ( 216- 217 ) .




hg[tvd dhohdk ggi ,vs,gi ,hglsgldk hv[u hgn hgpr rfg d,l








من مواضيع محب السلف
محب السلف غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس