عرض مشاركة واحدة
قديم 05-30-2010, 06:59 AM   رقم المشاركة : [1]
CLassiC
:: شخصيـﮧ هامـﮧ ::

 الصورة الرمزية CLassiC
 




 

مركز رفع الصور والملفات

افتراضي حلاوة الايمان‏



تعلمون أن الإنسان المؤمن يجد حلاوة في نفسه ضمن حياته التي يعيشها ، إن كانت في كل أشكالها لا يجد مثل هذه الحلاوة إنسان آخر ، ذلك
أنه مطمئن بالله رباً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ، ومطمئن بأنه على الإيمان ، ويرجو الله تعالى أن يستمر على الإيمان ، ويكره أن يعود إلى تراجعٍ في هذا الإيمان ، كما يخاف أن يقذف في النار ، هذه أشياء خاصية في شخصية المؤمن لا نجدها في غيره ، وهذه ناحية تعطي حياته التي يعيشها رونقاً خاصاً لا يجده غيره في المعتقدات الأخرى ، إلى جانب هذا أن الدار الآخرة ستكون له بإذن الله تعالى ، هذه الأمور إذا أردنا أن نستطلع انعكاساتها على شخصية الإنسان الذي آمن بالله رباً ، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبياً ، وآمن بالإيمان ، وتبعه بكل ما فيه من دعوة ، ومن أوامر ، ومن نواه التزم أن ينتهي عنها ، وما إلى ذلك ، كيف تكون حياته التي يعيشها ؟
هذه المعاني مندرجة في حديث ورد في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) .
[ متفق عليه ]
في هذا الحديث الشريف كلمات يجب أن نقف عندها ، من هذه الكلمات حلاوة الإيمان ، فرق كبير بين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان ، أي إنسان آتاه الله فكراً ووقتاً وطاقة على متابعة العلوم يمكن أن يطلع على حقائق الإيمان ، ولكن لا ينتفع منها إلا بشروط .
حقائق الإيمان لتقريب الفكرة من الإخوة المشاهدين كخارطة لقصر مبنية على أدق القواعد الهندسية ، يمكن أن ترى في هذه الخارطة مساحات الغرف ، ومساحات الشرفات ، ومساحة الحديقة ، وأين تقع الخدمات في هذا القصر ، هذا كله مبني على حسابات دقيقة ، وقام بها مهندسون مهرة ، ولكن أن تملك خارطة لقصر ، ولا تملك كوخاً شيء ، وأن تملك هذا القصر ، وأن تسكنه شيء آخر ، فحلاوة الإيمان أن تسكن في هذا القصر ، أو لو أنك اطلعت على صورة لمركبة فارهة جداً ، ونظرت إلى فرشها من الداخل ، وإلى خطوطها الانسيابية ، وإلى ألوانها الرائعة ، وإلى ميزاتها من خلال تعليمات ، ومن خلال نشرات ، هذه حقائق الإيمان ، أما أن تمتلك هذه المركبة ، وتركبها حلاوة الإيمان ، فشتان بين حقائق الإيمان وحلاوة الإيمان .
الإنسان إذا أكرمه الله بحلاوة الإيمان هو إنسان آخر ، لابد من أن تنعكس جميع مقاييسه ، يبني حياته على العطاء بعد أن كانت مبنية على الأخذ ، يبني حياته على بذل الجهد بعد أن كان يستهلك جهود الآخرين ، يبني حياته على تقديم شيء ثمين للبشرية بعد أن كان عبئاً عليها ، حلاوة الإيمان تجعل المؤمن إنساناً آخر ، المؤمن شخصية فذة لها مرتبة خلقية ، ومرتبة علمية ، ومرتبة جمالية ، فهناك منظومة قيم تحكم المؤمن الذي ذاق حلاوة الإيمان ، وهناك حقائق توصل إليها المؤمن الذي ذاق حلاوة الإيمان ، وهناك أذواق جمالية يتمتع بها المؤمن الذي ذاق حلاوة الإيمان ، نحن في حياتنا ما يسمى اللذات ، وفي حياتنا ما يسمى السعادة ، والحقيقة أن هناك فرقاً كبيراً بين اللذات وبين السعادة ، فاللذات طبيعتها حسية ، وتأتيك من الخارج ، لابد من بيت جميل ، من مركبة فارهة ، من امرأة ، من حديقة غناء ، من طعام نفيس ، لذات الحياة تأتيك من الخارج ، وتحتاج إلى أموال طائلة ، هذه لا تحصل إلا في وقت متأخر من الحياة ، والشيء الطريف أن اللذات تحتاج إلى شروط ثلاثة ، الشرط الأول تحتاج إلى وقت ، تحتاج إلى صحة ، وتحتاج إلى مال ، ولحكمة أرادها الله عز وجل دائماً الإنسان تنقصه إحدى هذه الشروط ، ففي بداية حياته الصحة موجودة ، والوقت موجود ، وليس هناك مال ، في منتصف الحياة الصحة موجودة ، والمال موجود ، وليس هناك وقت ، منغمس في تأسيس عمل ، بعد أن تتقدم به السن ، ويسلم العمل إلى أولاده المال موجود ، والوقت موجود ، لكن ما ليس هناك صحة ، فإذا أردنا لذات الحياة فحياتنا منغصة ، فقد قال تعالى :
ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى))
[ سورة طه : 124]
فاللذات طبيعتها حسية ، ولا تأتي إلا من الخارج ، ولا تحصل بشكل كامل إلا بشق الأنفس ، ولحكمة أرادها الله يعقبها كآبة ، وقوة التأثر بها متراجعة ، لا يمكن لشيء من حطام الدنيا أن يمدك بسعادة بشكل مستمر ، مستحيل وألف ألف مستحيل ، والناس يعرفون هذه الحقيقة .
الأستاذ عدنان :
هنا في الحقيقة دكتور أشرت إلى ناحية هامة جداً ، إذا ما شرحناها أكثر ، أو توقفنا عندها بشكل أدق يمكن أن تفيد الإخوة المشاهدين ، اللذات الحسية كما ذكرتم تأتي من الخارج ، وهي غير متوفرة في الأحوال كلها ، إنما إن توفرت ، وإن اجتمعت عندما يحصل عليها الإنسان فإنه من خلال أنها حسية ، يطلب المزيد منها ، وقد يتوفر هذا المزيد ، وقد لا يتوفر ، فإن لم يتوفر شعر بالكآبة التي ذكرتها ، وإن توفرت فإنه يطلب المزيد ثانيةً وثالثة ، ولا يحصل على هذا المزيد ، في النهاية سيكون في حالة الكآبة ، وقد يكون الإنسان يملك هذه اللذات التي تتحقق له ، فإذا ما أصابه عارض في الدنيا وقف ونظر إلى موقع أقدامه ، فعرف أنه على لا شيء .
الدكتور راتب :
هذا المعنى أشار إليه الإمام البوصيري رحمه الله تعالى قال :
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النهم
فهذه اللذات قوة تأثيرها متناقص لحكمة أرادها الله عز وجل ، وليس في الدنيا شيء على الإطلاق يمكن أن يمدك بإحساس بتفوق مستمر ، إلا أن هذه اللذات إذا كانت بعيدة عن منهج الله عز وجل تعقبها كآبة ، وهذه الكآبة قد تنتهي مع الموت ، وبعد الموت إلى عذاب لا يحتمل ، أما السعادة فهذه تنبع من الداخل ، ويملك أسبابها كل إنسان ، وهي متنامية ، وإذا رضي الله عز وجل عن هذا العبد الذي خطب ود الله عز وجل فربما جعل هذه السعادة متصلة بنعيم الآخرة ، فشتان بين اللذات وبين السعادة ، فالسعادة التي يحسها المؤمن ، والذي قال عنها بعض العارفين بالله : " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، هذه السعادة هي أحد بنود حلاوة الإيمان .
من بنود حلاوة الإيمان هذا الشعور بالأمن الذي يتمتع به المؤمن ، وأنا أصر على أن الشعور بالأمن الحقيقي خاص بالمؤمن ، لقول الله عز وجل :
(فاي الفريقين احق بالامن ان كنتم تعلمون ا,الذين امنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم ,اولئك لهم الامن وهم مهتدون )
[ سورة الأنعام : 81-82]
لم يقل : أولئك الأمن لهم ، لو قال : أولئك الأمن لهم لكان لهم ولغيرهم ، أما حينما قدم الجار والمجرور على الاسم المرفوع فصار المعنى الأمن خاص بهم وحدهم ، وقد قالوا : أنت من خوف الفقر فقر ، لو كنت تملك المليارات فالخوف من الفقر أنت في فقر ، فأنت من خوف المرض في مرض ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، فمن خصائص حلاوة الإيمان التمتع بنعمة الأمن ، لأن هذا المؤمن يرى أن الأمر كله بيد الله ، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يمنحه سعادة من دون شروط مادية ، فمن بنود حلاوة الإيمان الشعور بالأمن ، وهذا من خصائص المؤمن ، الأمن الحقيقي .
الأستاذ عدنان :
بواعث هذا الأمن دكتور ، إذا رأيت إنساناً عادياً ، وقلت له : يجب أن تشعر يا هذا بالأمن الداخل ، ينطلق من داخلك لا من خارجك ، ينطلق من ذاتك لتشعر بأنك إنسان قد استخلفه الله في الأرض ، ما هي بواعث هذا الأمن ؟
الدكتور راتب :
التوحيد ، لأنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، يكفي أن تتوهم أن أمرك بيد عدو لك ، وأنه أقوى منك ، وأنه يتمنى أن يهلكك ، هذا الشعور وحده يحطم حياة الإنسان ، أما يكفي أن تشعر أن أمرك بيد الله ؟ وأن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يسلمك إلى أحد ؟ وأن الأمور كلها بيد الله ؟ قال تعالى :

( واليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه
وما ربك بغافل عما تعملون)
[ سورة هود : 123]
(يد الله فوق ايديهم
[ سورة الفتح : 10]
(ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه احدا)
[ سورة الكهف : 26]
وأن الله في السماء إله ، وفي الأرض إله ، وبيده مقاليد السماوات والأرض ، وأن قضية الأعمار والأرزاق بيد الله وحده ، لذلك إن كلمة الحق لا تقرب أجلاً ، ولا تقطع رزقاً ، حينما تشعر أن الأمر بيد الله ، وأن الله سبحانه وتعالى معك ، قال تعالى :
(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى )
[ سورة طه : 123]
لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فمن بنود حلاوة الإيمان هذا الشعور بالأمن الذي سألتم عن بواعثه ، وكان التوحيد والإيمان الحقيقي هو من بواعثه ، وأن إبليس بمعنى أو بآخر يقول الله عزوجل عنه :

(قال فبعزتك)
[ سورة ص : 82]

إذ يقول الله عز وجل :
(خلقتني من نار)
[ سورة الأعراف : 12]
آمن بالله رباً ، وبالله عزيزاً ، وآمن بالله خالقاً ، وآمن بالآخرة ، قال تعالى :
(قال انظرني يوم يبعثون)
[ سورة الأعراف : 14]

ولكن هذا الإيمان الذي لا يرافقه طاعة لله عز وجل لا تقطف ثماره ، لذلك قال تعالى :

(يا ايها الذين امنوا امنوا بالله ورسوله)
[ سورة النساء : 136]
ما كل إيمان ينجي صاحبه ، هذا البند الثاني .
البند الأول : أن من حلاوة الإيمان الإحساس بالسعادة الحقيقة المتنامية .
ومن بنود حلاوة الإيمان : الشعور بالأمن .
ومن بنود حلاوة الإيمان : السكينة ، فهذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، وجدها أهل الكهف في الكهف ، وجدها سيدنا إبراهيم في النار ، وجدها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ : (( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ، فَقَالَ : مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ )) .
[متفق عليه]
فمن بنود حلاوة الإيمان السكينة ، وهذه السكينة عطاء من الصعب أن نتصوره ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك ؟
ومن بنود حلاوة الإيمان والحكمة .
الأستاذ عدنان :
قبل أن ننتقل إلى موضوع الحكمة ، مما أشاهد ، ومما أسمع من خلال الناس ، وباللقاء بهم هذا الكلام الذي تتحدثون به كلام جميل ، وفعلاً تاريخنا كان يمتلئ بمثل هذه الشخصيات التي نضحت بحلاوة الإيمان والأمن والسعادة الداخلية ، لكن في مجتمعاتنا الحالية هل ترى من نجده على هذه الشاكلة يكون منطلق ذلك الإيمان والعبودية لله تعالى ، أم أن شخصية هذا الإنسان ضعيفة ، ومن خلال ضعفها تستسلم لكل شيء ، فتقول : ماشي الحال كما ، يقال بالعامية ؟ هناك فارق كبير .
الدكتور راتب :
أرى أن الطرف الآخر إذا لم يكن على منهج الله ملتزماً يختل توازنه الداخلي ، لأن فطرة الإنسان متطابقة تطابقاً تاماً مع منهج الله ، فلمجرد أن يعصي الإنسان الله عز وجل ، أو لمجرد أن يخرج عن مبادئ فطرته ، وكلا الأمرين واحد ، إما عن وعي وإدراك ، تعرف أن هذا الأمر إلهي ، وتعصيه فهذه حالة ، أو أنك تخرج عن مبادئ فطرتك ، في كلا الحالين يختل توازن الإنسان ، والإنسان في علم النفس حينما يختل توازنه يحاول أن يستعيد هذا التوازن ، هناك طرائق ثلاثة لاستعادة هذا التوازن ، الطريق الأول أن يرجع إلى الله ، لكن الطريق الثاني والثالث طريقان إبليسيان يطعن في الآخرين ، أو يتعلق بعقيدة فاسدة ، فمن أجل أن يستعيد العاصي توازنه ، ومن أجل أن يستعيد الذي خرج من مبادئ فطرته توازنه يتهم كل من تفوق عليه في الدين ، أو في الخلق ، أو في أي مجال آخر ، هذا الاتهام دون أن يشعر وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس ، الطالب المقصر إذا سئل عن وظيفته يقول : لم نكتب الوظيفة ، يا بني أنت طالب واحد ، لماذا قالها في صيغة الجمع ؟ ليوسع دائرة التقصير ، فيرتاح ، فالإنسان حينما يختل توازنه ، ويعصي ربه يريد أن يجعل هذا الفساد عاماً ، لذلك يتهم كل الصالحين دون أن يشعر ، هذا في عقله الباطن ، فالإنسان حينما ينحرف ، وحينما يخرج عن مبادئ فطرته ، وحينما يعصي ربه يختل كل توازنه ، وبدل أن يستعيد هذا التوازن بتوبة نصوح يستعيد هذا التوازن بالطعن في المتفوقين ، يقول : هذا أبله ، مثلاً ، هذا درويش ، بالتعبير العامي ، لكن لو علم أن هذا الذي يتهمه ضيق الأفق ، وأنه لا يعلم ما الحياة ، لو كشف الغطاء لاختل توازنه مرةً ثانية ، أو أن هذا الذي اختل توازنه يستعيد هذا التوازن بطريقة أخرى ، أن يتعلق بعقيدة زائغة غير صحيحة ، كأن يقول : هناك من يشفع لنا يوم القيامة ، المفهوم الساذج ، مع أنه غاب عنه قول النبي في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ? وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ? قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا )) .
[متفق عليه]
إذاً من بنود حلاوة الإيمان السعادة الحقيقة التي يملك كل منا أسبابها ، والتي قد تنتهي بالجنة ، وهي متنامية ، وليست متناقصة ، ومن بنود حقائق الإيمان هذا الشعور بالأمن ، الحقيقة قال تعالى :
(قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا)
[ سورة التوبة : 51]
فإذا كنت مع الله كان الله معك ، وقد قال العلماء : معية الله الخاصة شيء ، ومعيته العامة شيء ، فإذا قال الله عز وجل : ? وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ? ، معكم بعلمه ، أما إذا قال تعالى : ? إِنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ? ، فهذه معية خاصة ، تعني أنه معهم بالتأييد ، معهم بالنصر ، معهم بالتوفيق ، معهم بالحفظ ، وحينما تشعر أن خالق السماوات والأرض معك فهذا الشعور يعطيك دفعاً إلى الأمام يصعب تصوره ، فكيف إن كان العكس .
الأستاذ عدنان :
يشعر الإنسان بهذه الناحية التي تفضلت بها ، يشعر بالأمن والأمان ، إلى ما ذلك ، لكنه في الحقيقة نزلت به نازلة كيف يكون وضعه ؟
الدكتور راتب :
هنا إن شاء الله في لقاءات قادمة نتحدث عن أنواع المصائب ، مصائب المؤمنين ليست كمصائب الشاردين ، مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع ، قال تعالى
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين )

[ سورة البقرة : 155]
مصائب الشاردين مصائب قصم وردع ، ومصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع ، ومصائب الأنبياء مصائب كشف ، ينطوون على كمالات لا يمكن أن تظهر إلا بظروف خاصة ، فالمصائب متنوعة ، وإن شاء الله في ندوة قادمة أتحدث بشكل تفصيلي عن أنواع المصائب ، فالمؤمن مصائبه من نوع آخر ، لذلك عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، وَكَانَ خَيْرًا ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ ، وَكَانَ خَيْرًا )) .
[ مسلم ، أحمد ، الدارمي ]
وقد قال تعالى :
(واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة )

[ سورة لقمان : 20]
قال بعض علماء التفسير : " النعم الباطنة هي المصائب " ، وقد قال بعض علماء القلوب : " ربما منعك فأعطاك ، وربما أعطاك فمنعك " ، وحينما تفهم على الله عز وجل يكون المنع أحياناً عين العطاء ، لذلك هذا الكلام كله يلخص بآية واحدة :
( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر وانت لا تعلمون )
[ سورة البقرة : 216]

لو تابعنا بنود حلاوة الإيمان ، من هذه البنود الحكمة ، أنا أرى أن الحكمة عطاء عظيم ، ذلك أن الإنسان من غير حكمة يفقد أصدقاءه ، من غير حكمة يفقد الزوجة من الدرجة الأولى ، من غير حكمة يبدد ماله ، من غير حكمة يدمر نفسه ، نحن حينما ندعو ، ونقول : اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، الإنسان أحياناً بتدبيره يدمر نفسه ، وأنا أعتقد أنه مهما كان المرء ذكياً فإن كان مقطوعاً عن الله عز وجل حجبت عنه الحكمة ، فيفعل أفعالاً ، ويرتكب حماقات الطفل الصغير بعيد عنها ، وهناك شواهد لا تعد ولا تحصى من خلال هذه الحقيقة ، والشيء الذي ينظم هذه الفكرة قوله تعالى :
(الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله اضل اعمالهم )
[ سورة محمد : 1]
لذلك أعظم عطاء من الله عز وجل بأن يلهم المؤمن الحكمة ، فبالحكمة يسعد بزوجة من الدرجة العاشرة ، وبالحكمة يجعل أعداءه أصدقاء ، وبالحكمة ينفق ماله القليل في شأن كبير ، وبالحكمة يوظف وقته الضيق في عمل مفيد ، وأنا لا أرى أن في الحياة عطاءً يزيد على عطاء الحكمة ، وهذه خاصة بالمؤمن ، وأما غير المؤمن فلا بد من أن يرتكب حماقة ، مع أنه قد يكون في أعلى درجات الذكاء ، لذلك لا ينفع ذا الجد منك الجد ، يعني يا رب ، الذكي معك لا يفلح ، لكن يفلح معك المستقيم الذي أحبك ، واستقام على أمرك ، فهذه الحكمة هي ضالة المؤمن ، هذه الحكمة هي عطاء كبير لهذا المؤمن .
حلاوة الإيمان ، لابد من توضيح ببعض الأمثلة .
امرأة أنصارية بلغها أن النبي عليه الصلاة والسلام أصابه شر ، فانطلقت إلى ساحة المعركة ، في معركة أحد ، فإذا بها تجد أباها مقتولاً ، تقول : ما فعل رسول الله ؟ ثم وجدت ابنها مقتولاً ، تقول : ما فعل رسول الله ؟ ثم وجدت أخاها مقتولاً ، فلما رأت النبي عليه الصلاة والسلام ، وقرت عينها ، قالت : يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل .
سيدنا الصديق أنفق كل ماله قال : يا أبا بكر ماذا أبقيت ؟ قال : أبقيت الله ورسوله ، المؤمن حينما يشعر بحلاوة الإيمان يقدم الغالي والرخيص والنفس والنفيس .
فلو شاهدت عيناك من حـسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجـئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
و لو نسمت لنا من قربك نسمة لـمت غريباً واشتياقاً لقربنـــا
و لو لاح من أنوارنا لك لائـح تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فما حبنا سهل ، و كل من ادعى سهولـــته قلنا له : قد جهـلتنا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا



pgh,m hghdlhk‏








من مواضيع CLassiC
توقيع CLassiC
 
أحد يقدر يجي جنبي


CLassiC غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس